68
الجزء ٦ · صفحة ٢٥٩﴿ ولمَّا دخلُوا مِنْ حيثْ أمرهُم أبوهُم ﴾ أى من الأبواب المتفرقة ﴿ مَا كانَ ﴾ أى يعقوب ﴿ يُغنى عنْهم منَ اللّهِ من شىْءٍ ﴾ أى ما أغنى عنهم ربه فى دخولهم متفرقين إزاحة للضر عنهم بالعين بل أصابهم الضر من حيث لم يدروا ذلك أنهم نسبوا إلى السرقة ، وأخذ بنيامين وذلك أن الصاع وجد فى رحله وتضاعفت المصيبة على أبيهم فوقع الأمر على طبق قوله : ﴿ وما أغنى عنكم من الله شىء ﴾ ﴿ إلا حاجةً فى نفْس يعقُوب قَضَاها ﴾ يعقوب أى أظهر ما لهم ووصلهم بها ، وهى أن يدخلوا من أبواب متفرقة شفقة عليهم والاستثناء منقطع ، ويجوز عود ضمير قضى إلى الله سبحانه ، أى لكن حاجة قضاها الله له هى تسهيل دخولهم من أبواب متفرقة تطيبا لنفسه ونظيره أنه A سد كوة فى قبر بحجر وقال : ﴿ إن هذا لا يغنى شيئا ولكن لتطبيب نفس الحى ﴾ وقيل أراد بالحاجة الغصة من فراق يوسف قضاها الله ، ثم جاءت غصة أخرى من فراق بنيامينن فحملته الغصتان على الأمر بالتفريق .
﴿ وإنَّه لذو علمٍ لما عَلَّمناه ﴾ بالوحى والإلهام ، ونصب الدلائل ، ولذلك علم أن القدر لا يدفعه الحذر ، فقال : وما أغنى عنكم من الله من شئ ، واللام للتقوية دخلت على مفعول المصدر المنون وهو ما ، ويجوز كون اللام تعليلية ، وما مصدرية ، أى لأجل تلعمنا إياه ، ويجوز أن يكون معنى علم عملا ، واللام بوجهها مع ما أو بمعنى الباءن أى لذو علم للذى علمناه إياه ، أو لأجل الذى علمناه أو لأجل تعليمناه إياه يقال عمل علما أىأنفذه وأتبعه ، ويقال : عمل به ، وكما صح إطلاق الجهل على عمل السوء ، صح إطلاق العلم على العمل بالخير ، قال سفيان : من لا يعمل لا يكون علامان ولكن ذلك بعيد حتى قال عياضن هذا لا يعطيه اللفظ ، ولو كان صحيحا فى نفسه .
﴿ ولكنَّ أكْثر النَّاسِ ﴾ الموحدين والمشركين ﴿ لا يعْلَمونَ ﴾ ما علم يعقوب إذ لم يسلكوا طريقه ، ولا يعلمون شر القدر ، وأنه لا يغنى عنه الحذر حقيقة العلم ، أو أكثر الناس هم المشركون لا يعلمون ما ألهم الله أولياءه ، وهو المروى عن ابن عباس رضى الله عنهما .
روى أنهم لما بلغوا مصر تفرقوا ، ودخل كل أخوين من باب واحد ، وبقى بنيامين وحده عند باب الشام ، ولم يدر أين يذهب ، ولم يعرف أحد لسانه ، فنزل ملك من السماء على يوسف عليه السلام وقال له : قم يا يوسف والبس ثياب الغرباء ، واركب ناقتك لكيلا يعرفك أحد ، واقصد باب الشام ، فإن أخاك ابن أبيك وأمك واقف على ناقته يسأل من يمر به ، ولا يعرفون كلامه .
فركب ناقته وعليه برقع ، وتنكر بحيث لا يعرفه أحد ، وقصد باب الشام ، فوجد بنيامين فلما رآه يوسف ذرفت عيناه بالدموع ، فسلم يوسف عليه وقال له بالعبرانية : من أين؟ وإلى أين؟ وماذا تريد؟ قال : جئت من الشام أطلب الميرة .