49
الجزء ٦ · صفحة ٢٢٣﴿ ثمَّ يأتى مِنْ بَعد ذَلكَ ﴾ المذكور من السنين الشداد ، أو من السنين الأربع عشرة ، وهو السبع المخصبات ، والسبع الشداد ﴿ عَامٌ فيه يُغَاب الناسُ ﴾ من الغيبث وهو المطر ، أى يمطرون وهو قول ابن عباس والجمهور ، أو من الغوث وهو الفرج وإزالة الكرب ، أى يفرج الله عنهم القحط .
﴿ وفيه يعْصِرُون ﴾ ما يعصر كالعنب ، فإنه يعصر خلا وخمرا وغيرهما ، والخمر محرمة فى هذه الشريعة المحمدية الشريفة ، وكالزيتون فإنه يعصر منه الزيت ، وكالسمسم فإنه يعصر منه الدهن ، وكقصب السكر وغير ذلك كافجل ، ومصر بلد يعصر أشياء كثيرة ، وحذف المفعول للعموم ، أى يعصرون كل ما يصلح للعصر ، وذلك كناية عن كثرة الثمار والخضرة والخصب .
وقيل : معنى يعصرون : يلحون الضروع ، ويجوز أن يكون بمعنى ينجى بعضهم بعضا من الجوع لكثرة الطعام بتناولونه ، وقرأ حمزة ، والكسائى يعصرون بالتاء الفوقية للخطاب تغليبا للحاضر وهو الساقى على الغائب وهو أهل البلد ومن بجانبها ، وقرئ تعصرون بالبناء للمفعول والفاعل الله ، وهم أى ينجون بلبناء للمفعول أى ينجيهم الله ، أو ينجى بعضهم بعضا بالإعطاء والتصرف لإغاثة الله إياهم ، أو المعنى يعصر عليهم بالبناء للمفعول ، ى يمطر عليهم ، فحذف الجار ونائب المجرور على طريق الحذف والإيصال ، يقال : أعصرت السحابة عليهم .
أو قيل : يعصرون لتضمين معنى يمطرون ، وقوله : ﴿ ثم يأتى من بعد ذلك ﴾ الخ بشارة خارجة من تفسير الرؤيا ، زاده الله علمها بالوحى بالإلهام ، قال قتادة : زاده الله علم سنة قيل : أو قام بها من حيث إن انتهاء الجدب يؤذن بالخصب ، بأن السنة لإلهية أن يوسع على عباده بعد ما ضيق عليهم ، ويبحث لهم إذان انتهاء الجدب بالخصب والتوسع ، لا يفهم الخصب الكامل الذى شار إليه بقوله : ﴿ وفيه يعصرن ﴾ بل يفيد زواله ، مع احتمال الدرجة الوسطى من الخصب ، والأدنى والكاملة ، نعم يجوز أن يكون المراد بالغيث والعصر ذلك لمعنى العام المحتمل .
ولما انقضى كلام يوسف ، رجع الساقى إلى الملك ومن معه ، وأخبر بما قال يوسف ، فاستعظموه وعرفوا قدره كما مر ، وعرف الملك أن الذى قال كائن لا محالة ، رد الساقى إليه ليأتى به ، ويقربه ، ويسمعه الرؤيا مشافهة ، وليرى هذا الكريم الذى عبر هذه الرؤيا تلك العبارة المستحسنة كما قال الله سبحانه وتعالى .