هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

83

الجزء ٦ · صفحة ٢٨٥

﴿ قَالَ ﴾ أبوهم بعد ذلك ﴿ بَل سوَّلت ﴾ زينت وسهلت ﴿ لكُم أنفسُهم أمراً ﴾ فعملتموه كيدا لأخيكم ، وإلا فمن أعلم الملك أن السارق يستعبد بسرقته لولا فتواكم وتعليمكم ، اتهمهم لما سبق منهم فى أمر يوسف .

وإن قلت : إذا كان استرقاق السارق حكما شرعيّاً فكيف ينكر عليهم تعليم الملك إياه؟

قلت : لم ينكر عليهم التعليم ، وإنما أراد أن الملك لا يعلم هذا الحكم ، وإنما علمتم أنتم لأمر جائز يتوصلون إليه ، أو أنكره عليهم ، لأن هذا حكم من سرق من مصر ، وهذا على أنه لا يعلم أن ملك مصر مؤمن ، وقيل : بل زينت لكم أنفسكم أمرا هو حمل أخيكم إلى مصر ، لطلب نفع عاجل هو حمل البعير المزاد فآل أمركم إلى ما آل ، وقيل : بل خيلت لكم أنه سرق وما سرق .

﴿ فصبرٌ جميلٌ عَسَى الله أن يأتينى بهِم جَميعا ﴾ أبى بالثلاثة أو الأربعة الباقين ، لما اشتد بلاؤه أخذ ينادى : من يريد الفرج وأحسن الظن بالله سبحانه ، طمع أيضا بدعاء الملائكة أن يجمع الله بينه وبين أولاده كما مر .

قال شاعر :

وكلُّ الحادثات إذا تناهت … يكون وراءَا فرجٌ قريب … وقال آخر :

إذا تضايق أمر فانتظر فرجاً … وأضيق الأمر أدناه إلى الفرج … وقال آخر :

فلا تجز عنَّ إن أظلم الدهر مرة … فإن اتعكار الليل يؤذن بالفجر … فملا جرى عليهم وعلى بنيه من أول الأمر إلى ذلك الوقت من الرؤيا وكيد الإخوة ، علم ان الأمر قد تناهى ، فقال : ﴿ عسى الله أن يأتينى بهم جميعا ﴾ .

﴿ إنَّه هُو العَليمُ ﴾ بخلقه وأحوالهم ، ومنها حزنى عليهم وحالهم ﴿ الَحكيمُ ﴾ فى صنعه فما أبلانى بذلك إلا لحكمة .

وقيل : إنه لما فقد يوسف قال : ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ﴾ فتعلق بالصبر فأنساه الشيطان حسن الظن بربه فزيد كربه بفراق بنيامين ، فصبر وتذكر حسن الظن ، عسى الله أن يأتينى بهم جميعا ، فأتاه الله بهم جميعا أعنى جمع بينه وبينهم .

وروى أنهم لم يقولوا له إن ابنك سرق الصواع ، بل قالوا إن ابنك سرق ، فقال : وما سرق؟ فقالوا : سرق صواع الملك ، استخرج من رحله ، فحبسه الملك ، وأردنا مقاتلته إذا به أشد منا ، ونجانا الله ببركته دعائك ، فبكى يعقوب وزينة وعيال أبنائه وأهل خاصته ، وقامت عندهم صيحة لحبس بنيامين ، ولفقد يهودا وشمعون على ما مر ، وليس مرادى بإنساء الشيطان يعقوب حسن الظن بالله ستحانه وتعالى أنه أساء الظن به تعالى ، بل ذهل وغفل عن تقوية الرجاء .

قال قتادة : إن نبى الله يعقوب ما ساء ظنه بالله تعالى فى طول بكائه ساعة قط ، من ليل أو نهار ، قيل : نزل ملك الموت على يعقوب عليه السلام فقال : جئتَ لقبض روحى قبل أن أرى أولادى؟ قال : بل جئت زائرا ، قال : أقسمت عليك بربك ، هل قبضت روح يوسف فى الأرواح؟ قال : بل هو حى سوى ، وهو ملك مصر ، وله الخزائن والجنود والعبيد ، وعن قريب إن شاء الله تعالى ترأه .

٢٬٧٨٥ / ٧٬٦٨٠