58
الجزء ٦ · صفحة ٢٤١﴿ وجاء إخْوةُ يُوسفَ فدَخلُوا عليْهِ ﴾ إلا واحدا فإنه أمسكه أبوه وهو بنيامين ، ويدل على ذهاب الاستثناء قوله : ﴿ ائتونى بأخ لكم من أبيكم ﴾ ﴿ فَعَرفهمْ ﴾ قيل : عرفهم أولا أنه لم يميز بين يهودا وشمعون ، ونزل الملك فميز له بينهما ، فعرف كلا على حدة ﴿ وهُم لهُ منْكرونَ ﴾ قال ابن عباس ، ومجاهد : عرفهم يوسف بأول نظرة ، قال الحسن : لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه .
قال ابن عباس : بين أن قذفوه لى الجب وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة ، ولذلك أنكروه ، وذكر بعضهم : أن المعصية تورث النكرة وتلا هذه الآية ، وما يوجب النكرة أنهم فارقوه صغيرا ، وأنهم اعتقدوا أنه مات ، وأنه ذهب عن أوهامهم لقة فكرهم فيه ، واهتمامهم به ، ولبعد حاله التى هو فيها من السلطان والملك ، عن حاله حين ألقوه فى الجب ، وحين باعوه بدراهم معدودة ، حتى لو تخيل لهم أنه هو لكذبوا أنفسهم ، ولأن الملك يبدل الزى ويلبس صاحبه من التهيب والاستعظام ما ينكر له المعروف .
وقال عطاء : لم يعرفوه لأنه كان على سرير الملك ، وعلى رأسه تاج الملك ، وقيل : لأنهم رأوه على زى ملوك مصر ، عليه ثياب الحرير ، جالسا على سرير ، فى عنقه طوق من ذهب ، وفى رأسه تاج ، ولأنه يتكلم بالقبطية ، وقيل : لأنهم وقفوا من بعيد حيث يقف طلاب الحوائج ، وعلى كل حال ، فإن الله جل وعلا لم يخلق فيهم معرفة حقيقا لما أخبره أنه سينبئهم بأمرهم وهم لا يشعرون ، وإنما عرفهم لأنه فارقهم وهم رجال ، ورأى زيهم قريبا من زيهم إذ ذاك ، لاهتمامه بهم ، فكان يتأمل ويتفطن .
وروى أنه أدخلهم فى ثانى يوم ، وروى أنه قال لصاحب المائدة : لا تنزل هؤلاء فى دار الغرباء ، ولكن أدخلهم فى دارى ، وانصب لهم المائدة كما تنصبها بين يدى ، واحفظهم وأكرمهم ، فقال : من هم يا مولاى ، فقد أتاك أقوام ومعهم الأموال والذخائر وما أنزلتهم إلى فى دار الغرباء؟ فقال : لا تكثر قولك ، افعل بهم ما أمرتك ، فنزل الخادم من القصر ، وأمرهم بدخول الدار ، وبسط لهم الفرش والمساند ، ويوسف ينظر غليهم من الكوة ويأمر الخادم بلسان القبط ويقول : ابسط لهم كذا وكذا ، وافعل بهم كذا وكذا ، ولا يدرون ما يقول .
ولما رأوا ملكه حين دخلوا إليه أول مرة ، نكسوا رءوسهم ، وكان كل ينتظر ما يؤمر به ، ويحكم فيه ، فجعل ينظر إليهم ويتذملهم ، ويطيل النظر إليهم ، ولا يدرون ، ثم يتشاغل عنهم بغيرهم ، وينظر إلى جهة أخرى ، ويكلم وزراءه بما يريد ، وأمر باعتزالهم إلى حيث أمر الخادم أن ينزلهم ولم يكلمهم ، ولما جن الليل ، وضع بين أيديهم الموائد والشموع والمجامير ، فنظروا إلى دار الغرباء من كوة ، والخدم يرفعون لكل فيقير قرصة شعير للغلاء .