هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

84

الجزء ٦ · صفحة ٢٨٧

﴿ وتَولَّى عَنهم ﴾ أعرض لكراهمة ما جاءوا به ﴿ وقالَ يا أسفى ﴾ نداء تفجع ، والأصل يا أسفى أحضر ، فهذا أوانك والأسف أشد الحزن والحسرة والألف بدل من ياء المتكلم ، وكان ذلك النداء لظهور أن المراد التوجع والتفجع لا حقيقة طلب الإقبال ، وليس مراده بذلك النداء الجزع ، بل التوجع إلى الله والشكوى غليه ، وهو فى المعنى بمنزلة قولك يا إلله ارحم أسفى .

﴿ عَلى يُوسفَ ﴾ متعلقب بإلا يوسف وبينهما تجانس ، وهو بديع مستملح نحو قوله تعالى : ﴿ اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا ﴾ والشاهد ﴿ فى الأرض ﴾ و ﴿ أرضيتم ﴾ ﴿ وهم ينهون عنه وينأون عنه ﴾ ﴿ ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ﴾ و ﴿ من سبأ بنبأ ﴾ وإما تأسف على يوسف فقط ، مع أن المفقود آخر من يكون وجعه عليه طريا ، لأن إصابته بفقد يوسف كانت قاعدة لمصيبات ، وعليها تترتب ، وكانت غصة طرية مع تطاول الأزمان ، ولم يقع فائت عند موقعه ، ولأنه كان واثقا بحياة من بقى بمصر منهم دون يوسف ، خلافا لرواية أنه علم بحياته من الوحى ، وعنه A : « لم تعط أمة من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وإنما قال : يا أسفى » وهذا يرد قول بعض أنه لا يبعد أن يجتمع الاسترجاع ويا أسفى لهذه الأمة وليعقوب عليه السلام .

﴿ وابيضَّتْ عَيناهُ من الحُزْن ﴾ وقرئ بفتح الحاء والزاى ، أى للحزن أى لكثرة بكائه من الحزن حتى محقت الدمعة سواد العين ، وقلتته إلى بياض ، وكان لا يبصر شيئا قال قتادة : لم يبصر شيئا ست سنين ، وقيل : كان يدرك إدراكا ضعيفا ، وقد علمت أن من للتلعيل ، لأن الحزن إذا كان علة لكثرة البكاء ، وكثرة البكاء علة للابيضاض ، فهوعلة للابيضاض إذا كان علة لعلته ، ويجوز أن تكون للابتداء إذ حدث ابيضاضهما من الحزن .

قال فى عرائس القرآن : قال الحسن : ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاما ، وما على وجه الأرض أكرم منه على الله سبحانه ، وعن رسول الله A : « أنه سأل جبريل : ما بلغ وَجْد يعقوب على يوسف ، قال : وجْدُ سبعين ثكلى ، قال : فما كان له من الأجر؟ قال : أجر مائة شهيد ، وما ساء ظنه بالله تعالى ساعة قط » .

وهكذا قال جبريل ليوسف حين دخل عليه السجن ، فقال : هل تعرفنى أيها الصدِّيق المخلص؟ قال : أرى صورة حسنة ، قال : انا جبريل ، قال : فما أدخلك مدخل المذنبين؟ قال : إن الأرض التى يحلها نبى أطهر أرض ، وقد طهر الله بك السجن وما حوله . قال : كيف لى باسم الصدِّيق المخلص ، وقد أدخلت مدخل المذنبين؟ قال : لأنه لم يفتن قلبك بسيدتك ، ولم تطعها فى معصية ربك بعد السؤال عن حال أبيه وأجره قال : أفترانى لاقيه؟ قال : نعم ، فطابت نفسه ، قال : ما أبالى ما لقيت .

٢٬٧٨٧ / ٧٬٦٨٠