57
الجزء ٦ · صفحة ٢٣٨﴿ ولأجْر الآخرةِ خَيرٌ ﴾ من أجر الدنيا لعظمه ودوامه ، وفى الآية إشارة إلى أن ليوسف فى الآخرة ما يستحقر دونه ملكه فى الدنيا ﴿ للَّذينَ آمنُوا وكانُوا يتَّقونَ ﴾ الشرك والمعصية ، عم القحط سائر البلاد فى السبعة [ العجاف ] حتى الشام ونواحيه ، وقصد الناس مصر من كل مكان لشراء الطعام ، وكان يوسف لا يبيع لأحد شريف أو وضيع أكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس ، ووصل يعقوب وأهله ما وصل الناس من القحط وهو بأرض كنعان من الشام ، وكان زليخا تحب أهل الشام حبا شديدا ، وهو بأرض كنعان من الشام ، وكانت زليخا تحب أهل الشام حبا شديدا ، وإذا أتى أحد منهم تأمر بإكرامه ، وكانت مغرمة بيعقوب وأولاده ، وكان أهل الشام إذا رجعوا من مصر نزلوا تحت بيت الأحزان ، ويذكرون حاسن سلطان مصر معهم ، وكيف أضافهم وأعطاهم ، وكيف يحبهم وما سيرته ويعقوب يسمع ويقول : والله هذه علامة العارفين ، ولم يعلم أن بمصر أو غيرها نبيا سواه ، وكان يقول : ليت لى قوة أمضى إليه على أحد عنده ، يوسف .
وكان تحت نفقته ستون رجلا وامرأة وشكوا إليه وسألوه أن يدعو الله لهم حتى يفرج عنهم ، ودخل عليه أولاده يوما باكين ، قالوا : يا آبانا منذ أربعين سنة ما كلمتنا ولا التفت إلينا ، ولا دعوت لنا ، ولا تبسمت فى وجها ، فهب أنا قد عصيناك وقد آتيناك مطرين مفترين مستغيثين . قد أصابنا ما أصاب الناس من الجوع ، فادع لنا ربك أن يرزقنا وأن يتفضل علينا ، فقال لهم يعقوب عليه السلام ، أدلكم على من عنده النعم والكرم ، ومن تقصده العرب والعجم ، ويثنون عليه بأحسن الشيم؟ وجه صبيح ، وكلامه فصيح ، ودينه صحيح ، قريب من الناس ، ذو حشمة وباس ، له الDال ، والخزائن والأموال ، أخلاقه سنية ، وأصافه بهية ، أكرم الملوك وأسخاهم ، ، وأنصحهم لعباد الله وأحسنهم خلقا ، وعنده طعام كثير ، وقد استخرت الله أن أوجهكم إليه .
فقالوا : من أين عرفت ذلك؟ قال : من النازلين تحت بيتى إذا رجعوا قصدوه فإنه كريم ، وسلموا عليه أفضل التسليم . قالوا : يا أبانا نحن حفاة عراة حقراء فقراء ، ما عندنا شئ يصلح لحضرة الملك ، فإن الناس يحملون إليه الجواهر واليواقيت ، والذهب والفضة ، والزمرد الأخضر .
قال يعقوب : سمعت أنه كريم رحيم ، والكريم يقبل اليسير ، ويهب الكثير ، قالوا : يا أبانا نحن ما حضرنا أبدا فى حضرة الملك ، كيف نفعل إذا وصلنا إليه؟ قال : إذا أذن لكم بالدخول فلا تتكلموا بين يديه إلا بإذنه ، ولا تلتفتوا يمينا ولا شمالا ، فمن سوء الأدب الالتفات فى حضرت الملك إلى غيره ، فاحفظوا أدبكم ، فالبحر لا جار له ، والملك لا صديق له ، والعافية لا قيمة لها ، ومن صحب الملوك بغير علم أسلمه الجهل إلى القتل .