46
الجزء ٦ · صفحة ٢١٩﴿ يُوسُفُ ﴾ حذف حرف النداء ومتعاطفات أى فأرسلوه فأتى يوسف فى السجن فقال له : يا يوسف الخ ، وروى أن لاذى نجا قال : إن قول هؤلاء بأنها أضغاث أحلام باطل ، بل رؤياك حق ، وأن لها برهانا وإن أرسلنى غلى السجن آتك بالعجب العجاب ، إن فى حبسك رجلا حكيما عليما عنده من رؤياك علم عجيب ، وقد كنت أنا وصاحبى فى السجن فى المدة التى غضبت علينا فيها ورأينا كذا وكذا ، وعبر لنا كذا وكذا ، فكان كما قال ، فقال الملك : ما منعك أن تعرفنى بأمره؟ فقال : أيها الملك خفت أن تذكر ما قيل عنا ، فيكون سببا للمعاقبة ، فقال له : انطلق إليه ، فقد أذنت لك .
وروى أنه لما قال الملك : إن لم تخبرونى بتأويلها أقتلكم ، حرك الساقى رأسه وبكى ، فقال له الملك : مالك تبكى؟ فقال : أيها الملك إن رؤياك هذه لا يعرفها ولا ينبئك بها إلا الغلام العبرانى الذى فى السجن ، فتغير وجه المك وقال له : إنى لم أذكره سبع سنين ، ولا خطر ببالى إلا الساعة ، وقال له الساقى : وأن كذلك ، فقال : من ين تدرى أنه الم بتأويل الرؤيا ، فقص عليه قصته وقصة الخباز ، فقال له : امض إليه واسأله عن تلك الرؤيا ، فقال له : والله إنى أستحى منه ، فقال له الملك : لا تستحى منه ، فإنه على دين يرى أن الخير والشر من مولاه ، فلا يلومنك .
فأتاه الساقى يبكى وكمه على وجهه استحياء من يوسف ، وتمالك واعتذر بأنه لم يقصر ، لوكنه نسى ، فقال له : ارفع كمك ، فإن الشيطان أنساك أن تذكرنى عند ربك ، فسجد الساقى بين يديه حين رضى عنه ، فقا له : لمن سجدت؟ فقال : لمن أرضاك عنى ، فإنى كنت خائفا من سطوتك ، فقال : من أين لى سطوة؟ فقال : تيقنت أنك تصير ملكا ، ثم قال له : ما حاجتك؟ فقص عليه رؤيا الملك ، وأنه يريد تعبيرها ، وقيل : إن الملك نسى رؤياه ، فقال لهم : إن لم تخبرونى بها وبتأويلها أقتلكم ، فذهب الساقى إليه فسأله فقال له : رأى كذا وكذا وتأويلها كذا وكذا ،
فرجع الساقى إلى الملك ، وقد تذكرها الملك فأخبر بها الحاضرين بعد ذهاب الساقى ، فأخبره الساقى بما قال يوسف ، فتعجب فقال : كأنه الذى رآها ، وأقر هو والحاضرون بفضله ، وما قيل من أن الساقى لم يخبره الملك بالريا ، وأنه قال ليوسف : أريد أن تعلم ما رأى الملك ، وأن تعلم تبيعره يرده قول يوسف :
﴿ أيُّها الصِّدِّق أفْتِنَا فى سَبْع ﴾ أى فى رؤيا سبع ﴿ بقَراتٍ سمانٍ يأكلهنَّ سبعٌ عِجافٌ وسَبعِ سُنْبلاتٍ خُضْرٍ وأخر يابِساتٍ ﴾
وإن صح ذلك من حديث رسول الله A ، فالآية حكاية للمعربات قوله : أخبرنا بما رأى بتفسيره بمنزلة قوله : إنه رأى كذا وكذا ، فأخبرنا أيها الصديق بتفسيره ، والصدِّيق المبلغ فى الصدق ، وإنما عرفه صديقا لأنه فاق احواله ، وظهر صدقه فى تفسير رؤياه ورؤيا الخباز ، ولم يجبر عليه كذبا قط .