56
الجزء ٦ · صفحة ٢٣٢﴿ وكَذلكَ مَكَّنَّا ليُوسفَ ﴾ قال أبو البقاء : اللام زائدة فى المفعول به أو أصل ، والمفعول محذوف أى مكنا الأمر ليوسف ﴿ فى الأرْضِ ﴾ أرض مصر ، وكانت أربعين فرسخا فى كل جهة ﴿ يتَبَّؤأ ﴾ يتخذ لنفسه ﴿ مِنْها ﴾ نعتا لمفعول محذوف ، أى يتخذ منزلا ثابتا منها ، أو يتلو بمعنى ينزل ، ومنها نعت لظرف محذوف أى منزلا منها أو من بمعنى فى .
﴿ حَيثُ يَشاءُ ﴾ متعلق ﴿ يتبوّأ ﴾ أو نعت ثان للمحذوف ، أو حال منه ، أو من ضميره المستتر فى الجار والمجرور ، وقرأ ابن كثير نشاء بالنون ، وذلك التبؤُّؤ تفسر للتمكين .
قال فى عرائس القرآن : روى سفيان عن عبد الملك بن المنذر ، أن الملك قال ليوسف : إنى أريد أن تخالطنى فى كل شئ ، غير أنى أحب أن لا تأكل معنى ، قال يوسف : أنا أحق لأن أقف عن ذلك ، لأنى ابن يعقوب إسرائيل الله ، ابن إسحاق ذبيح الله ، ابن إبراهيم خليل الله ، فصار بعد ذلك يأكل معه .
قال ابن عباس : فلما مضى ليوسف سنة من يوم سؤاله الإمارة دعاه الملك فتوَّجه رداءَهُ وقلده بسيفه ، وأمر له بسرير من ذهب مكلل بالدر والياقوت ، وضرب له عليه حلة من الإستبرق ، وطول السرير ثلاثون ذراعا ، وعرضه عشرة أذرع ، وعليه ثلاثون فراشا ، وستون نمرقة ، ثم أمره أن يخرج متوجا ، ولونه كالثلج ، ووجه كالقمر الناظر ، ووجهه يتلألأ نورا .
فانطلق حتى جلس على السرير ، ودانت له الملوك ، ولزم الملك ، بيته ، وفوض إليه أمر مصر ، وعزل قطفير عما كان عليه ، وجعل يوسف مكانه ، ثم مات قطفير فى تلك الليالى ، فزوج الملك يوسف امرأته زليخا ، ويقال لها : راعيل على ما مر ، ولما دخل عليها قال : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ قالت : أيها الملك الصديق لا تلمنى فإنى امرأة مشركة حسناء ناعمة ، فى مُلْك ودنيا ، وكان صاحبى لا يأتى النساء ، وكنت كما جعلك فى صورتك ، وهيئتك ، وغلبتى نفسى وعصمك الله ، وافتضها يوسف إذ وجدها غذراء ، وولدت له ذكرين : أفرايتم وميشا ، واستوثق ليوسف أرض مصر ، وأقام العدل ، وأحبه الرجال والنساء ا ه .
وتيقنواأن لا ملك مثله ، وقيل : إن قطفير مات قبل خروج يوسف من السجن ، وزوجه الملك امرأته بعد خروج ، وقيل : إنه تزوجها بعد أن كبرت وافتقرت على ما يأتى إن شاء اله ، وأسلم على يده الملك وكثير من الناس .
وروى أنه لما قال : ﴿ اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم ﴾ قال : صدقت إنى ا أعلم أحداً أولى بذلك كنك ، فخذ هذا الخاتم والتاج والسرير ، فيهن يقوم ملكى ، ويشتد أمرى ، فلعمى أن الذى أعطاك إلهك ، وشرفك به ليسير فى حقك ، وقليل فى خطرك ، فأنت الذى تحمل أهل مصر .
فقال يوسف : أما الخاتم فأشد به أمرك ، وأما السرير فأظهر به سلطانك ، وأما التاج ليس من لباسى ولا من لباس آبائى ، وفى رواية : أما السرير فأشد به ملكك ، وأما الخاتم فأدبر به أمرك ، ولما لم يقبل يوسف عنه التاج قال : إن لم تلبسه فأنا أضعه عن رأسى حتى يعلم الناس أنى قد وضعته أجلالا لك ، وأنى فضلتك على نفسى ، وآثرتك بسلطانى ، ثم قال : رضينا بك ، وسمعنا كلامك ، وأقررنا بعلمك وشرفك ، فالحكم حكمك ، والقول قولك : والأمر أمرك ، وأنت المقدم ، ونحن تبع لك سامعون مطيعون ، وقد وليتك مملكتى أربع عشرة سنة ، قدر أيام السعة والضيق ، وإذا مضت هذه المدة رددت علىَّ مملكتى ، وتكون أعز أهل مملكتى ، لا أمَعك شيئا تريده ، ولا حكما تنفذه ، ودخل على ذلك الشرط .