87
الجزء ٦ · صفحة ٢٩١قالَ يعقوب : ﴿ يا بنىَّ ﴾ الأصل يا بنين حذفت النون للإضافة لياء المتكلم ، وأدغمت فيها ياء الإعراب ﴿ اذْهبُوا فتحسَّسوا مِنْ يُوسفَ وأخِيهِ ﴾ بنيامين اطلبوا الخبر عنهما بالحساسة ، فمن بمعنى عن ويجوز كونها للابتداء ، فإن الخبر المسموع فى حقها آت من شأنهما ، وقرئ بالجيم وهو أيضا طلب الخير ، وإنما قرأ به من يقول : إنه بالجيم وبالحاء سواء ، وقيل : إنه بالجيم فى الشر وبالحاء المهملة فى الخير ﴿ ولا تيأسُوا مِنْ رُوحِ الله ﴾ لا تقنطوا من فرج الله سبحانه وتنفيسه ، وقرأ الحسن ، وقتادة : من روح الله بضم الراء ، أى من رحمته التى تكون حياة للعباد ﴿ إنَّه لا ييْئسُ من رُوحِ اللّهِ إلاَّ القومُ الكافِرُونَ ﴾ بالتكذيب لله جل وعلا ، أو بجهله بالصفات ، فإن العارف لا يقنط من رحمته فى شئ من الأحوال ، وفى الآية عذدى دليل على أن الإياس من رحمة الله فى الدنيا كبيرة ، كما أن الإياس من رحمة الآخرة كبيرة ، فإن الآية فى رحمة الدنيا وفَرَجها ، والمشهور فى كتب الفقه ، وعلى الألسنة أن الإياس من رحمة الآخرة كبيرة ، ومن رحمة الدنيا ليس كبيرة .
وذكره الشيخ عمرو التلاتى فى شرح النونية وقد تابعتهم عليه فى بعض كتبى الفقهية قبل أن تظهر لى هذه الحجة ، ويبعد أن يكون قوله : ﴿ ولا تيأسوا ﴾ إلى آخره كلاما مستقلا فى رحمة الآخرة .
روى أن يعقوب أمر شمعون على أنه [ إن ] رجع مع إخوته أن يكتب إلى ملك مصر ، بسم الله الرحمن الرحيم ، من يعقوب الحزين إلى عزيز مصر ، ولو عرفت اسمك لذكرتك به ، يا من اعتز بعزه ، فإن الله يعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، إنى أيها العزيز رجل قد اشمأز قلبى ، وقدع الحزن أوصالى ، وإنى ناء عن الأفراح ، دان إلى التراح ، دائم البكاء والصياح ، وأنا من نطف آباء كرام كيف يتوله منى اللصوص ، وأنا من الخصوص ، وقد أخبرت أنك وضعت الصاع فى الليل فى رحل ولدى الأصغر ، وذلك الهلال الأقمر ، واعلم أن حزنى على يوسف الفقيد دائم مسرمد ، وإن أفجعتنى فى الآخر فإن قلبى لا محالة طائر .
وكتب إليه يوسف : اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا .
وفى عرائس القرآن : إن يعقوب كتب إلى يوسف : من يعقوب إسرائيل الله ، ابن إسحاق ذبيح الله ، ابن إبراهيم خليل الله ، إلى عزيز مصر الطاهر العدل ، الموفى الكيل .
أما بعد : فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء ، فأما جدى فابتلاه الله بنمرود فشدت يداه ورجلاه ورمى فى النار ، وأما أبى إسحاق فشدت يداه ورجلاه ، ووضع السكين على قفاه للذبح ، وأما أنا فكان لى ابن أحب أولادى إلىَّ ، فذهب به إخوته إلى البرية ، ثم أتونى بقميصة ملطخ بالدم ، وقالوا قد أكله الذئب ، فذهبت عيناى ، ثم كان لى ابن وكان أخاه من أمه ، وكنت أتسلى به ، ثم ذهبوا فرجعوا فقالوا : إنه سرق ، وإنك حبسته ، وإنا أهل بيت لا نسرق ، فإن رددته إلىَّ وإلا دعوت عليك بدعوة تدرك السابع من ولدك ، وختم الكتاب ودفعه إليهم ، ووجههم به إلى مصر مع بضاعه مزجاة كما ذكر الله سبحانه وتعالى فى قوله :