68
الجزء ٦ · صفحة ٢٦٠فخلع سوارا فى يده يساوى خمسين ألف دينار من يقاوت أحمر ، ودفعه إلى أخيه بنيامين ، فأخذه ولم يدر ما هو؟ ولا ما قيمته؟ فقال له : يا أخى ماذا أصنع به ، فتبسم من قوله ، وعلم أنه لا يعرف ذلك ، فقال اجعله فى عضدك وتعال معنى حتى أريك إخوتك ، فوجدا إخوتهما قياما على الباب ركبانا ، فقال : امض نحو إخوتك ، فبكى وقال : لا أريد فراقك ، قد والله مال قلبى إليك .
فقال له يوسف : كيف تقدر ترافقنى وأنا عبد مملوك ، أى عبد الله أو أراد تعريض إخوته إذ باعوه ، فذهب بنيامين نحوهم فرحا ، فقالوا له : يا بنيامين ما رأيناك أبدا مستبشرا مثل هذه الساعة؟ قال لهم : نعم ، قد طلب قلبى براكب أتانى على ناقة ، وكلمنى بالعبرانية ، وأعطانى سرارا من زجاج ، فقال له يهود : أرنيه ، فأراه إياه قال له : ما أحسن هذه الزجاجة يا أخى ، اجعلها فى عضدى لئلا تضيع منك قال له : أفعل ، فجعلها فى عضده فذهبت إلى عضد بنيامين ، فقال له شمعون ، وقد خرج إليهم من موضع فى مصر إذا ارتهنه يوسف : رنى هذه الزجاجة فتناولها فجعلها فى عضده ، فذهبت إلى عضد بنيامين ، وكذلك من جعلها فى عضده منهم رجعت منه إلى على عضد بنيامين .
وروى أنه لما علم يوسف بقدومهم مع بنيامين سر غاية السرور ، وأمر بتزيين مجلسه ، وزين وبخر وجلس على سريير ، وأمر بأوانى الذهب فصفت مملوءة بالطيب عن يمين وشمال إلى كرسيه ، وأمر بدخولهم ، فقدموا بنيامين ليعلم اللمك بوصوله ، ودخلواعقبه ، فجعل يأخذ الطيب من تلك الأوانى ويمسح به ، وجعل إخوته يلزمونه ويزجرونه ، ويقولون ما أجهلك! ألك وضعت هذه الأوانى؟ أو لأجلك ملئة طيبا؟ هذا سوءأدب ، لأنك لم تتعود الدخول على الملوك ، إنما تعودت صحبة النعم .
فقال : يا إخوتى ليس الأمر كذلك ، هذا أعز الملوك وأطبعهم نفسا ، وقد تعود من الطيب فتغيره أدنى رائحة ، ونحن قوم سفر تغيرت روائحنا ، فقالوا : صدقه ، وأخذوا إلى بهاء ملكه ، ووقار سلطانه ، وزيادة زينته ، وتعجبوا وقال بعضهم لبعض : لعل هذا الملك غير الملك الذى كنا لقينا .
وقال الترجمان : يقول لكم الملك : من أنتم؟ ومن أى بلد جئتم؟
فقالوا : نحن الذين أمرتنا أن نجئ بأخينا ، فقال : نعم ، فهل جئتم به ، فاستبشروا وعرفوا أنه الملك الأول ، فقالوا : يا أيها العزيز إنا قد امتثلنا أمرك وأتيناك به وبكتاب من أبينا ، فقال لترجمانه : خُذه منهم ، فأذخه منهم ، فقرأ يوسف ففاضت عيناه بالدموع ، وأمر بإنزالهم وإكرامهم .
وبعد أيام قليلة أمر بطعام كثير فصنع ، وجعل على موائد عظيمة ، ونصبت أمام السرير ثم أمر بإحضارهم ، فأجلسوا على الموائج فى عز وشرف ، والولدان والوصائف وقوف على رءوسهم بألوان الأشربة ، وأنواع الزينة الحسنة ، ولما أرادوا التناول قال الترجمان : إن الملك يأمركم أن يجلس على كل مائدة أخوان من أب وأم ، فجلسوا اثنين اثنين وبقى بنيامين [ وحده ] فتأخر عن الطعام وبكى ونادى : يا حسرتاه لفراقك يا يوسف ، لو كنت موجودا لجلست معك ، وسمع يوسف وأشفق ، وأقبل عليه بالكلية ، وقال : مالك تأخرت عن الطعام؟ قال : مالى أخ من أب وأم كان لى أخ منهما يسمى يوسف ، لا أدرى أحى أم ميت وتذكرته فتجددت أشجانى ، وتحركت أحزانى ، فصاح وصعق ، فوقعت الصيحة فى منزل يوسف أن أحد العبرانيين مات ، فنزل يوسف عن سريره ، والبرقع على وجهه ، فرفع رأسه وجعله فى حجره وبكى حتى أفاق .