53
الجزء ٦ · صفحة ٢٢٧﴿ وما أبِّرئ نفسى ﴾ من كل سوء على الإطلاق ، ولو برئت من هذا يمن الله تعلاى علىّ باعلمة ، وهذا منه هضم لنفسه ، وتواضع لله D ، وسكن غير نافع ، وأبى عمرو الياء ، ويجوز أن يكون المعنى لا أبرئ نفسى فى هذه الحادثة لميل نفسه ميلا طبيعيا أنه مؤاخذ عليه لعدم القصد والعزم عليه ، ولأنه ضرورى إلى ما أحبت زليخا .
﴿ إنَّ النَّفْسَ ﴾ جنس النفوس ، وهذا استئناف للتعليل أو المجرد بيان أمر النفس ، كأنه قيل : هل النفس أمارة بالسوء؟ فقال : ﴿ إن النفس ﴾ ﴿ لأمارة بالسوء ﴾ بدليل التأكيد ، فإن حسن إذا كان المخاطب طالبا متردد جنس السوء ، أكد أمر النفس بالجملة الاسمية وبأن وبلام التأكيد وبصفة المبالغة ، وذلك أنها تميل بالطبع إلى الشهوة وتستغرق فيها ، وتستعمل القوى والجوارح فيها ما وجت ، ولا تقول قطنى .
والتحقيق عندى أن النفس واحدة تميل بالطبع إلى الشهوات ، وتميل بالطبع أيضا عما يضرها ، ولكنها لا تتمالك عن اللذى بالعاجلة ، فإذا تمكنت منها وثبت إليها ، فمن ذلك وصفت بأنها أمارة بالسوء ، فإن كانت مما يترتب عليه شرر دنيوى أو أخروى ندمت ، فمن هذا توصف بأنها لوَّامة ، وإذا غلبها نور العقل وجبرها على الامتثال والاجتناب لم تفعل السوء وسكنت العقل ، وخضعت فانها من ثم توصف بأنها مطمئنة كذا ظهر لى .
﴿ إلاَّ ما رَحم ربِّى ﴾ مصدرية ، والمصدر نائب عن اسم الزمان ، أى إلا رحمة ربى ، أى إلا وقت رحمة ربى ، وهذا جار على القليل من وقوع التفريغ فى الإثبات نحو : زيد يقرأ إلا يوم السبت ، أى يقرى فى كل وقت إلى يوم السبت ، والتقدير فى الآية : إن النفس لأمارة بالسوء فى كل وقت إلا وقت رحمة ربِّى ، وقد أجاز بعضهم قياس ذلك ، وذلك الوقت الذى لا تأمر فيه بالسوء ، هو وقت غلبة العقل عليها ، والوقت الذى لا تجد فيه سبيلا إلى شر ، أو ما مصدرية والاستثناء منقطع ، أى ما أبرئ نفسى ، لكن رحمة ربى تمنع من السوء .
ويجوز أن يكون ما اسما موصولا بمعنى من والاستثناء أيضا منقطع أى إلا من رحم ربى بالعصمة كما قال ابن عباس ، وإنما قلت : منقطع لأن الإنسان مثلا ليس من جنس النفس ، أو ما واقعه على أنواع من يعقل ، فالاستثناء أيضا منقطع ، ويحتمله كلام ابن عباس ، وذلك المرحوم كالملائكة ، ويجوز كون ما على أصلها لغير العاقل فى اصطلاح لنحو اقعة على النفس ، فيكون الاستثناء متصلا ، أى إلا النفس التى رحمها ربى بأن يعصهما أصلا عن الأمر بالسوء ، كنفس الملائكة ، فإن أنفسهم لا تأمرهم بالسوء ، وإنما قلت : إن النفس غير عاقلة فى الاصطلاح ، لأن العاقل فى الاصطلاح الإنسان يحملنه ، والملك والجنى مثلا ، فلو عبر عن العقل والنفس لعبر عنها بما لا يمن ، والمنصوص عن ورش تحقيق همزة السوء وهمزة إلا ، والمشهور عنه فى الأداء أنه يجعل الثانية من همزتين مكسورتين ، إحداهما آخر كلمة ، وأخرى أول كلمة كالياء الساكنة وكذا يفعل قليل .