77
الجزء ٦ · صفحة ٢٧٥﴿ قالُوا ﴾ أيها الملك لا تنكر ذلك عليه ﴿ إنْ يَسْرق ﴾ أى إن صحت سرقته فلذلك عبروا بالمضارع وهو لحكاية الحال ، والأصل إن سرق صواعك ﴿ فَقَد سَرقَ أخٌ ﴾ شقيق ﴿ مِنْ قَبلُ ﴾ وهو يوسف ، لوسنا على طريقهما فى ذلك ، وعنوا بالسرقة فيما قال الجمهور ذهابه بمنطقة عمته ، وذلك أنه لما ماتت أمه راحيل أخذته عمته وأحبته حبا شديدا ، ولما ترعرع وقعت محبته فى قلب يعقوب ، فأتاها وقال : يا أختاه سلمى يوسف إلىَّ ، فهو الله ما أصبر عنه ساعة واحدة . فقالت : والله ما أنا بفاعلة ، ولما غلبها يعقوب قالت : دعه عندى أياما أنظر إليه ، لعل ذلك يسلينى عنه ، ففعل يعقوب ذلك ، ولما خرج يعقوب من عندها عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت الثياب وهو صغير ، ثم قالت : لقد فقدت منطقة إسحاق ، فانظروا من أخفاها ، فالتمست فلم توجد فقالت : اكشفوا هل البيت فكشفوه فوجدوها مع يوسف ، فقالت والله ليسلم إلىَّ أنع فيه ما شئت ، وكان ذلك حكم إبراهيم من السارق ، فأتاها يعقوب فأخبرته بذلك فقال : إن كان فعل ذلك فأمسكيه ، فما قدر عليه حتى ماتت .
وكانت أكبر ولد إسحاق ، وكانت تلك المنطقة لإسحاق يتوارثوها الكبر فالأكبر وهذا الذى فعلت به عمته هو أول ما دخل عليه من البلاء ، ذكر ذلك كله فى عرائس القرآن عن الضحاك ، وكذا قيل عن محمد بن إسحاق ، إلا أنه لم يذكر أن هذا أول بلائه ، وتلك المنطقة من إبراهيم الخليل ، وورثها من إسحاق إذ كان أكبر ولده ، وليس إرثها كإرث المال ، لأن الأنبياء لا تورث .
وفى رواية أنه قعد عندها أربع سنين ، فبعث يعقوب إليها لترده ، فشدت منطقة على وسطه لها قيمة عظيمة ، وأرسلته إلى يعقوب وقالت : إنه سرق منطقة منى ففتشوه ففعلوا ، فوجدوها عنده ، وكان عندهم أن السارق يكون مملوكا لصاحب السرق ، فلم يلتفت يعقوب لقولها ، وعلم أنها أعطته إياها .
وفى رواية كانت تحمله من أبيه وتمسكه فيشتاق إليه يعقوب ، فيوجه إليه ويقل ذلك عليها ، ونام يوما عندها فشدت المنطقة على وسطه ، فأقامته ووجهته إلى أبيه ، وخرجت تصيح سرق يوسف منطقتى ، تريد أن تمسكه ، وقال سعيد بن بجبير ، وقتادة : لم اعثروا بالسرقة أخذ صنما لجده إلى أمه ، وكان منهذب ، وكان يجعله فى جيبه لا يفارقه ، إلا ما شاء الله فكسره وألقاه فى الطريق بين الحيف ، وقيل دفنه وغرضه أن لا يعبد سوى الله سبحانه وتعالى ، وكانت معه بنت جده تكره ذلك ، فأمرت يوسف بإتلافه .
وقال ابن جريج : أمرته أمه أن يتلف صنما لخاله كان يعبده ، وقيل : دخل كنيسة فأخذ تمثالا صغيرا من ذهب يعبدونه فدفنه ، وقال مجاهد : جاء السائل يوما فأخذه بيضة من البيت وأعطاه إياها ، وقال سفيان بن عيينة : أعطى سائلا دجاجة من البيت ، وقيل : عناقا أو دجاجة ، وقال وهب بن منبه : كان فى صغره كلما وضعت مائدة بين يديى يعقوب وقعد للأكل عند إخوته أخذ رغيفا وجعل فيه الإدام وخبأة تحت المائدة ، ويعطيه فقيراً أو سائلا .