59
الجزء ٦ · صفحة ٢٤٤﴿ ولمَّا جَهَّزهُم ﴾ أصلحهم وأكمل أمْرهُم } ﴿ بِجهَازِهم ﴾ أى بالجهاد الذى جاءوا لأجله ، وهو أن يوقورا أبعرتهم بالطعام ، وقيل : جهازهم ذلك وما يحتاجون من عدة وزاد ، وأصل الجهاد ، ما يعد من الأمتعة كالسلة وكعدد المسافة ، وما يحمل من بلدة الأخرى ، وما تزف به المرأة لزوجها ، والفتح أكثر وأفصح ، وقرئ بالكسر وهو لغة .
﴿ قال ائتُونى بأخٍ ﴾ نكرة ليكون بصرة من لا يعرفه وهو بنيامين ﴿ لكُم مِنْ أبيكُم ﴾ إنما قال ذلك ليظهر صدقهم ، وقد علق صدقهم إلى ذلك وغيره مما مر آنفا ، ولو علم صدقهم بدون ذلك ، وفائدته أن يحضر ما لم يحضر من شرح حال الوالد بالكتابة ، حتى كأنه مشاهد له ومن الأخ ، وبلغ فى جلب ذلك حتى قال لهم : من يشهد لكم بما قتولون أنكم لستم جواسيس؟ فقالوا : إنا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا ، وإن أبانا يعول سبعين إنسانا ، فعجل تسريحنا لئلا يهلكوا جوعا ، وتذللوا وتملقوا له .
فقال : دعوا بعضكم عندى رهينة ، وأتوا بالأخر وبما تقولون حتى أصدقكم ، ولا سراح لكم عندى إلا بالرهينة والميثاق ، فلعلكم إذا وصلتم بلادكم ترجعون برسم القتال ، كأنه لم ينزههم عن مثل هذا لما رأى منهم أول مرة من نحو إلقاء فى الجب وبيع ، وإلا فبهت الناس ، وظن السوء بدون علامة ظاهره حرام ، فكيف يفعله الصديق؟ فقالوا : تقترع أيها الملك فمن أصابته القرعة تركناه عندك .
وروى أن قابل شمعون فاقترعوا فأصابته القرعة ، وكان أحسنهم رأيا فى يوسف حين أرادوا قتله ، وقيل : الذى خلع قميصه يوم الجب ، وقيل : إنما قال : ﴿ ائتونى بأخ لكم من أبيكم ﴾ لأنهم قد احتالوا برسمه حملا ، وكان لا يبيع لإنسان أكثر من حمل ، فأعطاهم عليه حملا بالثمن منهم ، وشرط أن يأتوا به ليعلم صدقهم ، ولعل صاحب هذا القول يرى أن أم يوسف الحياة حين ذهبوا به إلى البرية ، وولدت بنيامين بعده ، وهو خلاف ما تقدم ، أو قال لهم ذلك : لأنهم لا يدرى أحى بعد أن مات .
﴿ ألا ترَوْن أنى أوفى الكَيْل ﴾ لا أطففه ﴿ وأنَا خَير المنْزلينَ ﴾ للضيف إذا أنزلتكم بجوارى ، وأحسنت ضيافتكم ، أو خبر من ينزل الضيف ، أى يحضر نزوله وهو ما يقرى به الضيف أولا ، ووجه قوله هذا أنه ترغيب فى الرجوع ، بمنزلة قولك : ما يمنعكم عن الرجوع والوفاء بالميثاق ، وقد رأيتم أنى موف للكيل ، وقد ظهر لكم أنى محسن فى ضيافتكم وجملة : ﴿ ائتونى بأخ لكم من أبيكم ﴾ ولو اختلفتا فعليه واسمية ، وطلبا وإخبارا ، لأن المراد اللفظ لا معطوفة على أنى أوفى الكيل ، وإلا قال : وإنى خير المنزلين ، إذ لا معلق للرؤية عنها ، ويجوز كونها حالا من المستتر فى ﴿ أوفى ﴾ هذا ما ظهر لى فى الإعراب .
والمعنى وبما ذكرت من أنه لم ينزههم عما مر لما رأى منهم أولا ، ومنأن ذلك ترغيب فى الرجوع يجاب عما أورده الفخر من أن الآية تضعف قول من يقول من المفسرين أنه اتهمهم ، وأن من يشافههم بذلك لا يليق به أن يقول : ﴿ ألا ترون أنى أوفى الكيل ﴾ وسكن غير نافع همزة ياء أنى ، وروى أنهم لما أوقروا دوابهم دخلوا عليه للوداع فقال : ﴿ ائتونى بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين ﴾ .