هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

76

الجزء ٦ · صفحة ٢٧٢

﴿ فبَدأ ﴾ المؤذن ، وقيل : يوسف ، والأول هو الصحيح ﴿ بأوعِيتهم ﴾ تعجيلا بإزالة التهمة عنهم ، إذ لم يجعله فى رحلهم ، وتمكينا للحيلة ، وإبعادا لظهور أن ذلك حيلة ﴿ قَبْل وِعَاء أخِيه ﴾ وقرأ الحسن بضم الواو وهو لغة ، وقرأ سعيد بن جبير بقلبها همزة مضمومة ، وذكر قادة أنه بلغة أن يوسف لا يفتح متاعا ، ولا ينظر فى وعاء غإا استغفر الله مما قال ، وكذا إن كان المفتش غير يوسف ، وكان عالما حتى لم يبق إلا رحْل بنيامين ، فقال : ما أظن أن هذا أخذ شيئا ، قالوا : والله لا تتركه حتى تنظر فى رحله ، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا فنظر .

﴿ ثمَّ اسْتَخْرجها منْ وِعاءِ أخيهِ ﴾ بنيامين فنكَّس إخوته رءوسهم من الحياء ، وأقبلوا على بنيامين فقالوا : ما هذا الذى صنعت بنا ، فضحتنا وسوَّدت وجوهنا يا ابن راحيل ، لا يزال لنا منكم بلاء ، أخذت هذا الصاع ، فقال بنيامين : بل بنو راحيل ما رأوا منكم إلا البلاء ذهبتم بأخى فأهلكتموه فى البرية ، إن الذى وضع هذا الصاع فى رحلى هو الذى وضع البضائع فى رحالكم . وقيل : غن التفتيش كان حيث استوقفوا ، ولما وجد وفى وعاء أخيه بنيامين أخذوه برقبة وحده ، وردوه إلى يوسف ، ورجعوا معه باختياره ، والسين والتاء للتصريح بالعلاج والمبالغة فى التفتيش ، أو ذلك بمعنى أخرجها .

قال الزمخشرى : قالوا رجع بالتأنيث على السقاية أو أنث الصواع لأنه يذكر ويؤنث ، ولعل يوسف كان يسميه سقاية ، وعبده صواعا ، فقد فيما يتصل به من الكلام سقاية ، وفيما يتصل بهم منه صواعا انتهى .

وروى أنهم فتشوا أوعيتهم بحضرة يوسف ، ولم يجدوا شيئا ، وتركوا رحل بنيامين وأمروهم بالذهاب فذهبوا فحسدوا بنيامين فقالوا : إنه يفتخر علينا بذلك ، وبما تقدم من أكله مع الملك وخلوته به ، فقالوا : ما لرحل أخينا لم تفتش ، وليس أشرف منا؟ فقال يوسف : لعله ير الساحة كا أنتم ، فقالوا : لا بد من تفتيشه أيها الملك وألحوا ، فقال : أما إذا أبيتم إلا تفتيشه ففتشوه بأيديكم ، ففتشوه فوجدوا الصاع فيه ، فضاقوا وبهتوا ، وتحيروا وسكنوا ، ونكسوا رءوسهم ، لا يردون جوابا ، ثم قالوا : يا بنيامين يا ابن المشئومةوالإخ المشئوم ، هذا من شؤم أمك وشؤم أخيك ، فليت ما أجريناه فى أخيك أجريناه فيك ، وأنت أحق بذلك ، إذ لم يكن له جرم يؤخذ به ، فضحتنا وفحضت أباك الصديق ، وأزريت بنسبك .

فقال : إخوتى لا تعجلوا ، اسمعوا منى حتى آتيكم ببرهان تعرفون براءتى ، ألستم تعملون أن بضاعتكم ردت إليكم فى رحالكم ، ثم صدرتم من عند الملك وأنتم لا تعلمون ، فإن سرقتم البضاعة يومئذ فأن سرقت الصاع اليوم ، وإن كنتم أبرياء فأنا برئ فسكنوا عن لومه وقالوا : لا تذكر البضاعة لئلا نؤاخذ بها ، فاحتوشتهم الخدمة كالمنكرين عليهم ، وأخرجوا بنيامين بالعنف من بين أيديهم ، وجروه حتى أدخلوه قصر الملك ، وغاب عن إخوته ، فقام يوسف عن سريره وجعل يقبله ويضمه إلى صدره ، وألبسه ألوان الثياب الفاخرة ، وجلسا يتحدثان ، ثم قال : يا خى طب نفسا وقرّ عينا فأنا أخرج إليهم لأنظر ما يقولون ، فخرج فرآهم باكين محزونين فى خجل وذل .

٢٬٧٧٢ / ٧٬٦٨٠