89
الجزء ٦ · صفحة ٢٩٤﴿ قالَ ﴾ يوسف ﴿ هَل علمتُم ما فعَلْتم بيُوسفَ ﴾ من إلقاء فى جب وبيع وضرب ﴿ وأخيهِ ﴾ بنيامن من إفراده عن يوسف وإذلاله حتى لا يستطيع أن يكلمهم ، وإيذائهم إياه كيوسف ، وقولهم : ما رأينا منكم يا بنى راحيل خيرا إلا بذلك ذكرهم ذلك ليجرهم إلى التوبة التى هى لله حق ، تقديما لحقه على حق نفسه ، فمراده هل علمتم قبح فعلكم بهما عند الله جل وعلا فتتوبوا عنه ، أو فتبتم عنه .
﴿ إذْ أنتم جاهِلُون ﴾ متعلق بفعلتم ، أى ما فعلتم بهما وقت جهلكم قبحه ، وسماهم جاهلين ولو كانوا عالمين ، لأنهم لم يعلموا بما علموا ، وقيل : إذا أنتم صغار فى حد السفه والطيش لم تبلغوا ، أو إن الرزانة وهذا منه قيل : يجرى مجرى العذر ، وقيل : جاهلون بما يئول إليه أمر يوسف .
وروى أنه ما قال لهم : ﴿ هل علمتم ﴾ الخ حتى أزال القناع عن وجهه ، وقيل : أزاله بعد ، وقال الكلبى : سبب قول هذا المفضى إلى تعريف نفسه لهم كتاب أبيه ، الذى كتبه إليه بعد حبس بنيامين ووجهه معهم .
وقيل : سبب قوله ذلك أنه ذكر لهم ما فعلوا مع مالك بن ذعر ، وقال لهم : إن مالك بن ذعر قال : وجدت غلاما فى بئر من حاله كذا فاشتريته ، فاعترفوا أنهم هو [ الذى ] بايعوه ، وقيل : إنه قرأ عليهم ما كتبوه لمالك بن ذعر ، وكان فى آخره : إن الكاتب يهودا فاعترفاو بذلك فغضب وأمر بقتلهم ، فذهبوا بهم ليقتلوهم فوى يهودا وهو يقول : كان يعقوب يبكى ويحزن لفقد واحد حتى كف بصره ، فكيف إذا أتاه قتل بنيه كلهم ، ثم قالوا له : إن فعلت ذلك فابعث بأمتعتنا إلى أبينا فإنه بمكان كذا وروى أنه رمى إليهم كتاب مالك بن ذعر فأفحموا ، وأخذ الصواع فنقره فقال : إنه يخبرنى أنكم رميتم أخاكم فى الجب ، وأهرقتم الماء من صطحيته ، وضربتموه ثم نقره فقال : يقول : أردتم قتله فمنعه يهودا ، فقال : نعم فقال : أيكم يهودا؟ فأشاروا إليه ، فقال : جزاك الله خيرا عن أخيك يا يهودا ، وجعل ينقره ويخبر حتى أتى على جميع فعلهم ، وفى ذلك يصدقونه ، فقال : بئس ما فعلتم بأخيكم ، ثم قال لغلمانه : خذوا بأيديهم واضربوا رقابهم ، فقالوا أيها العزلز لا تفعل ، فإن أبانا قد حزن على فقد واحد حتى عمى ، وتركناه على الآخر طائر القلب ، فكيف إذا سمع بقتلنا كلنا ، وتملقوا وبكوا ، وبكى معهم ، ثم رفع البرقع عن وجهه فغشيهم نور وجهه فشبهوه بيوسف .