69
الجزء ٦ · صفحة ٢٦٣وروى أن يوسف بنى بناء مذهبا أربعين ذراعا طولا ، وأربعين عرضا ، وأمر يوسف عليه السلام ويعقوب وإخوته جميعا على حائطه وقصته من حين ذهبوا به وصوروا شمعون آخذا بذؤابتى يوسف بشماله ، والسكين بيمينه يريد قطع رأسه ، وصور صورة روبيل ويوسف داخل فتحت ذيله ، ولما دخلوا أمر غلمانه أن يدخلوهم فى الموضع الذى صوروا فيه فدخلوا وجلسوا ، فرفع روبيل رأسل ، فوقع بصره على الصُّوَر فصعف ، فقال إخوته : مالك يا روبيل؟ فأخبرهم ، فقالوا : هذه والله صورنا وصنائعنا وأفعالنا بيوسف ، فتغيرت ألوانهم وتلجلجت ألسنتهم ، ووجلت قلوبهم ، فأخذوا فى البطاء والنحيب .
فقال يوسف لغلمانه : قدموا لهم الطعام ، فقدموا فامتنعوا من الأكل ، فقال للغلمان : قولوا لهم لِمَ لا تكلون؟ فقالوا : والله لقد جئنا جياعا ولما رأينا هذه الصور وصورة أخينا المفقود ضاقت صدورنا فلم نطق الطعام وبكينا ، فقال لغلمانه : أخروجهم من ذلك البيت إلى بيت الخواص .
وكان بينامين يبكى وينتحب ، وعلا بكاؤه وغشى عليه ، ولما أفاق خرجوا إلى بيت الخواص ، وفيه مائدة فجلسوا ، فأذهب الله عنهم ذلك رحمة [ بهم ] ليأكلوا فأكلوا إلا بنيامين فلم يأكل ، واشتغل بالبكاء ودموعه كالجمان على خده كاللؤلؤ والمرجان وكان شبيها بيوسف فى الحسن والجمال ، وبه يتسلى يعقوب ، فقال له يوسف : لم لا تأكل؟ قال : أشتهى أن أدخل ذلك البيت الذى كنا فيه ، قال : لمه؟ قال : لأنه وجدت فيه صورة أخى ، وأريد أن أجلس بحذائها وأبكى عليها ، فأذن له ، فرجع يبكى حولها ، فاحترق قلب يوسف ، فدخل بيت الخلوة وسأل الله أن يتعرف لأخيه فأذن الله له ، فمرّ ابنه أفراثيم حذاء عمه وجعل يبكى معه ، فكان بنيامين تارة ينظر إلى الصورة وتارة ينظرغلى أفراثيم فلم يميز بينهما ، فتعجب من ذلك فقال : ممن أخذت صورتك يا بنى؟ فقال : من هذا الذى فى الحائط ، فقال : ممنأنت؟ قال : أنا ابن يوسف الصدِّيق ، قال : أهنا إنسان اسمه يوسف الصديق؟ قال : نعم ، فسماه الله صدِّيقا فبكى بنيامين بكاء شديدا ، وبكى أفراثيم لبكائه . ويوسف وزليخاينظران إليهما ويبيكيان .
قال أفراثيم : يا عم ممن بكاؤك؟ قال : يا بنى كان لى أخ اسمه يوسف ، وقص عليه القصة ، فقال له : لا تبكى يا عمى ، فأنا ابن أخيك يوسف ، وهو الذى كان يقربك ، فوثب من مكانه فضمه إلى صدره ، وقال : واحزناه وا طول شوقاه لفراقك يا قرة عينى ، وريحان قلبى ، وثمرة فؤادى يا يوسف ، وأين والدك؟ دلنى عليه ، فلا صبر لى عنه ، فمضى أفراثيم نحو والده وأخبره بخبر عمه ، قال له : سر إليه وأتنى به ، فرجع قال له : قم يا عمى ، فقام معه ، ودخل به بيت الخلوة ، فقام إليه يوسف ، وكشف البرقع عن وجهه ، وضمه إلى صدره ، وقال : يا قرة عينى يا بنيامين ، أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون ، فزعق بنيامين فغشى عليه ، ثم أفاق فقال له : يا حبيبى وقرة عينى وثمرة فؤادى ، كي فحال والدى؟ قال : كيف أصف لك حاله يا يوسف ، قد ذهبت والله عيناه من البكاء عليك ، فهو لا يشتهى إلا لقاءك ، فبكى وقال : ليت أمى لم تلدنى .