هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

81

الجزء ٨ · صفحة ٤٠٩

ثم قيد على كرسى مُلكه ، ثم دعا رئيس الغواصين فقال : اختر لى من أصحابك مائة ، فاختار مائة .

قال : اختر لى ثلاثين منهم فاختار .

ثم قال : اختر لى من الثلاثين عشرة ، فاختار .

ثم قال : اختر لى من العشرة ثلاثة ، فاختار .

فقال لأحدهم : غص حتى تنظر قعر البحر ، وتأتينى بالخبر . فغاص وأبعد ثم خرج فقال له سليمان - عليه السلام - : ما الذى رأيتَ؟

قال : رأيت يا نبى الله أمواجا وحيتانا وبنيانا ، غير أنى رأيت ملِكا .

فقال لى : أين تريد؟

فقلت : إن نبى الله سليمان بعثنى أنظر قعر البحر .

قال : ارجع إليه ، واقرأْه منى السلام ، وقل له : إن قوما ركبوا البحر مذ أربعين سنة ، فسقط من أيديهم قدوم ، فهو يتلجلج فى البحر ما بلغ قعرَه بعد .

قال : فتعجب من ذلك وأتى بما قصد . فبينما هو على شاطئ البحر ، رأى قبة من زجاج ، تضربها الأمواج فى لجة البحر .

فقال سليمان - عليه السلام- : غوصوا فى أثرها ، فغاصوا فأخرجوها . فلما وضعت على ساحل البحر انفتح لها بابان ، أى مصراعان .

فخرج من القبة شاب عليه ثياب أبيض من اللبن ، كأن رأسه يقطر ماء . فجاء حتى وقف بين يدى سليمان فقال له : أمن الجن أنت يا فتى؟ أم من الإنس؟

فقال : من الإنس . فعجب منه ومن هيئته .

فقال : ما بلغ بك ما أرى؟

قال : يا نبى الله كانت لى والدة ، وكنت من أبرّ الناس بها ، أطعمها وأسقيها سدى ، ولا أترك شيئًا من صنائع البرّ إلا صنعته بها .

فلما أدركتها الوفاة سأَلتها أن تدعو لى . فرفعتْ رأسها إلى السماء وقالت : يا رب قد عرفت برّ ولدى ، فارزقه العبادة فى موضع لا يكون لإبليس وجنوده إليه سبيل فيه . ثم ماتت ودفنتها .

فلما خرجتُ إلى الساحل إذا أنا بهذه القبة فدعتنى نفسى أن أدخلها . فلما دخلتها انطبق علىَّ بابها ، وتزاخرت الأمواج بها .

فقال له : من أين مطعمك ومشربك؟

فقال له : يا نبى الله إذا كان الليل جاءنى طائر أبيض ، فى منقاره شئ أبيض ، فيدفعه إلىَّ ، فهو يعصمنى من الطعام والشراب .

فقال : من أين تعرف الليل و النهار وأنت فى ظلمات البحر؟

قال : فى القبة خطان : خط أبيض ، وخط أسود . فإذا رأيت الأبيض غالبًا علمت أنه النهار ، وإذا رأيت الأسود غالبًا علمت أنه الليل . وقال له : هل لك فى صحبتنا؟

فقال : يا نبى الله ائذن لى حتى آتى قبتى . فأذن له ، فانطبق عليه بابها ، وتزاخرت بها الأمواج ، والله أعلم .

﴿ وَكُنَّا بِكُلِّ شَئٍ عَالِمِينَ ﴾ فتجرى الأشياء على ما يقتضيه علمنا وحكمنا فما أُعطى سليمان يدعوه إلى الخضوع لربه .

٣٬٩٠٩ / ٧٬٦٨٠