84
الجزء ٨ · صفحة ٤١٥فرجع إلى أصحابه . فقال لهم : ما عندكم فإنى لم أكلم قلب أيوب؟
فقال عفريت : عندى ما إذا شئت تحولت ريحًا عاصفًا تنسف كل ما مرت عليه .
فقال له : إيتِ الفدادين ، فأتاها ريحًا نسفت كل ما فيها من بَذر وتراب . فخرج إبليس - أبعده الله - متمثلا بقهرمان الحرث ، فجاء أيوبَ ، وهو يصلى ، فقال له كما مر ، وأجابه بما مر ، وجعل يصيب أمواله مالا مالا ، كلما أتاه هلاك مال حَمِد الله ، وأثنى عليه ، ولم يبق له مال . فلما رأى إبليس - لعنه الله - قد أغنى ماله ، ولم يقل شيئًا شق ذلك عليه ، وصعد سريعًا ، حتى وقب الموقف الذى يقفه فقال : اللهم إن أيوب يرى أنه إذا متعته بنفسه وولده فأنت معطيه المال ، فهل أنت مسلطنى على ولده؛ فإنهم الفتنة المضلة والصيبة التى لا تقوم لها قلوب .
فقال الله سبحانه : قد سلطتك على ولده ، فجاءهم فى قصورهم فزلزلها بهم ، ووقعت عليهم .
فجاء إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذى يعلمهم الحكمة ، مخدوش الوجه ، سائل الدموع فقال : لو رأيت بنيك كيف عذبوا وكيف نُكسوا على رءوسهم تسيل دماؤهم وأدمغتهم من أنوفهم وأفواههم ، ولو رأيت كيف شقت بطونهم وتناثرت أمعاؤهم ، لتقطَّع قلبك فلم يزل يقول هذا ويردده حتى رق قلب أيوب ، فبكى .
فوضع قيل : قبضة من التراب على رأسه ، فاغتم إبليس ، فصعد سريعاً يجزِّع أيوب ، ثم تفكَّر أيوب وتاب . فسبقت ملائكته بتوبته إبليس .
فوقف خاسئًا فقال : يا إلهى إنما هَوَّن على أيوب مالَه وولدَه ، أنه يرى أنك إذا متعته بنفسه أعدْتَ له المال والولد ، فهل أنت مسلطنى على بدنه؟
فقال : قد سلطتك عليه إلا لسانَه وقلبَه ، فأسرع إليه ، فوجده ساجدا ، فجاءه من تحت الأرض ، فنفخ فى منخره نفخة ، فخرج من قرنه إلى قدميه ثآليل مثل ليات الغنم ، ووقعت به حِكة لا يتماسك عنها ، فحك بأظفاره حتى سقطت كلها ، ثم حك بالمسوح الخشنة ، فلم يزل يحكها حتى تقطَّع لحمه وتغير وأنتن .
فأَخرجه أهل القرية ، وجعلوه على كناسة لهم ، وجعلوا له عريشًا ، ورفضه خلق الله كلهم غير امرأته رحمة بنت أفراثيم بن يوسف بن يعقوب وكانت تختلف بما يصلحه ويكرمه .
فلما رأى أصحابه الثلاثة ما ابتلاه الله به اتهموه من غير أن يتركوا دينه .
فلما طال عليه البلاء انطلقوا إليه و وفى بلائه فبكَّتوه ولاموه وقالوا له : تب إلى الله من الذنب الذى عوقبت به . وحضر معهم فتى حديث السن ، وقد كان آمن به فقال : إنكم تكلمتم أيها الكهول ، ولم تدروا حتى من انتقصتم وحرمة من انتهكتم ومَن الرجل الذى اتهمتم؟
ألم تعلموا أن أيوب نبى الله وحبيبه وخيرته وصفوته من أهل الأرض؟ ولم تعلموا أن الله سخط شيئا مِن أمره ، منذ آتاه الله النبوة .