هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

84

الجزء ٨ · صفحة ٤١٦

فإن كان البلاء هو الذى أزرى بكم عنده ، ووصفه فى أنفسكم . وقد علمتم أن الله تعالى ابتلى المؤمنين والنبينن والصديقين والشهداء والصالحين . وليس بلاؤه لأوليائه على سخط عليهم ، ولا هوانهم عليه ، ولكنها كرامة ، وخير لهم . ولو كان أيوب على غير هذه المنزلة إلا أنكم صحبتموه ، فليس للحليم أن يعزل عن أخيه عند المصيبة ، ولا أن يعيب ما لم يعلم ، بل يرحمه ويبكى معه ويستغفر . فالله لله أيها الكهول ، قد كان لكم فى عظمة الله ما يقطع ألسنتكم ، ويسكِّن قلوبكم . ألم تعلموا أن لله عبادا سكَّنتهم خشيته من غير عمى ولا بَكَم ، وإنهم لهم الفصحاء النبلاء ، العالمون بالله وآياته ، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله ، انقطعت ألسنتهم ، واقشعرت جلودهم ، وانكسرت قلوبهم ، وطاشت عقولهم إعظاما لله ، وإعزازا وإحلالا ، يستَبقون إلى الله بالأعمال الزاكية ، يعدون أنفسهم مع الخاطئين المفرِّطين ، لا يستكثرون الله الكثير ، ولا يرضون له بالقليل ، ولا يُدِلُّون عليه بالأعمال ، فهم ورعون خاشعون .

فقال أيوب : إن الله يزرع الحكمة بالرحمة فى قلب الصغير والكبير . فمتى ثبتت فى القلوب أظهرها الله على اللسان . وليست الحكمة من قِبَل السن والتجربة فإذا جعل الله العبد حكيما فى الغيب ، لم تسقط منزلته عند الحكماء ، وهم يرون من الله تعالى عليه نور الكرامة .

ثم أقبل أيوب على الثلاثة فقال : أتيتمونى غضابا قبل أن تُستغضبوا ، ورهبتم قبل أن تُسترهبوا ، وبكيتم قبل أن تُضربوا كيف بكم لو قلت لكم : تصدقوا عنى بأموالكم ، لعل الله يخلصنى ، أو قربوا عنى قربانا لعل الله يقبله ويرضى عنى ، وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم ، وظننتم أنكم عوفيتم بإحسانكم ، ولكم عيوب سترها الله بالعافية ، وقد كنت موقراً مسموع الكلام ، وليس لى اليوم رأى ، ولا كلام معكم . أنتم اليوم أشد من مصيبتى .

ثم أعرض عنهم . فقال : يا رب لأى شئ خلقتنى . ليتنى إذ كرهتنى لم تخلقنى . يا ليتنى كنت حيضة ألقتنى أمى ، ويا ليتنى قد عرفت الذنب الذى أذنبت ، فصرفتَ عن وجهك . لو أمتَّنى وألحقتنى بالموتى كان أجمل لى .

إلهى ألم أكن للغريب والمسكين قراراً ، ولليتيم وليا ، وللأرامل قيّما؟ إلهى أنا عبد ذليل ، فإن أحسنت فالمنة لك ، وإن أسأت فالعقوبة بيدك ، جعلتنى للبلاء عَرَضا ، وللفتنة نُصْبا ، وقد وقع علىَّ بلاءٌ لو سلطته على جبل ضعف عن حمله .

إلهى تقطعت أصابعى ، فلا أرفع أكلة إلى فمى إلا على الجهد .

إلهى تساقطت لهوانى ولحم رأسى فما بين أُذنىَّ من شئ ، حتى إن إحداهما لترى من الأخرى ، وإن دماغى ليسيل من فمى .

إلهى تساقط شعر عينى وحدقتاى ما ئلتان على خدى ، وَوَرِمَ لسانى فىَّ ، حتى ملأ فمى ، فما أدخل فيه طعامًا إلا غَصَّنى ، وَوَرِمَت شفتاى حتى غطت العُليا أنفى ، والسفلى ذقنى ، وتقطعت أمعائى فى بطنى ، وإنى لأُدْخِلُ الطعام فيخرج كما دخل ، ولا ينفعنى .

٣٬٩١٦ / ٧٬٦٨٠