هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

87

الجزء ٨ · صفحة ٤٢٦

وإنما فر سآمة وغضبًا لدين الله - كما مر - أو خشية أن ينسب إليه الكذب ، أو يعمه العذاب ، ولم يؤمر . فذلك ذنبه .

وعن ابن عباس : إن يونس وقومه يسكنون فلسطين ، فغزاهم ملك نسبّه منهم سبعة أسباط ونصف ، وبقى سبطان ونصف ، فأوحى الله إلى أشعياء النبى : أن سر إلى حرفيا الملك ، وقل له يوجه نبيًّا قويا ، فإنى ألقى فى قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بنى إسرائيل ، ففعل .

فقال الملك : فمن ترى؟ وكان فى مملكته خمسة أنبياء .

قال : يونس؛ لأنه قوى فدعاه الملك ، وأمره أن يخرج .

فقال : هل أمرك الله بإخراجى؟ وهل سمانى لك؟

قال : فها هنا أنبياء أقوياء غيرى .

فألحوا عليه ، فخرج مغاضبًا للملك والأنبياء وللقوم ، وأتى بحر الروم فركبه .

وقيل : خرج من قومه لما لم يؤمنوا ، وكان عندهم عادة أن يقتلوا الكاذب .

وقيل : اعتادوا هذا بعد إيمانهم .

وعن ابن عباس : أتى جبريل يونس فقال : انطلق إلى أهل نينوى فأنذرْهم فقال : ألتمس دابة .

قال : الأمر أعجل من ذلك . فغضب وانطق إلى السفينة .

قال وهب : كان فى خُلُق يونس ضيق ، فلما حمل أثقال النبوة تَفَسَّخ تحتها ، تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل ، فقذفها من يده ، وخرج هاربًا منها . ولذلك أخرجه الله من أولى العزم؛ إذ قال لنبيه : ﴿ فاصبر كما صبر أولو العزم ﴾ وقال : ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت ﴾ وزعم بعض أن الشيطان استزله حتى ظن أن الله لا يقدر عليه ، وهو قول منكر .

ولبث فى بطن الحوت عشرين يوماً بلياليها .

وقيل : سبعة أيام .

وقيل : ثلاثة .

وقيل : أربع ساعات .

وقيل : إن الحوت ذهب حتى بلغ تخوم الأرض السابعة . وتاب إلى الله ، وراجع نفسه فى بطن الحوت .

وروى أنه طال عليه تكذيبهم ، فأوحى الله غليه : أن العذاب يأتيهم يوم كذا وكذا . فلما دنا الوقت تنحى عنهم . ولما كان قبل الوقت بيوم ، جعل يطوف بالمدينة يبكى ويقول : يأتيكم العذاب غداً ، فسمعه رجل فانطلق إلى الملك ، فأخبره أنه سمع يونس يبكى ، ويقول كذا .

فدعا الملك قومه ، وأخبرهم . فقال : إن كان هذا حقًّا فسيأتيكم غداً . فاجتمِعوا حتى ننظر . وخرجوا غداً ، فنظروا فإذا بظلمة وريح شديدة أقبلتا ، فعرفوا الحق ، ولبسوا الشَّعَر ، وجعلوا التراب والرماد على رءوسهم تواضعًا لله وتضرعًا ، وبكوا وآمنوا . فصرف الله عنهم العذاب . فاشترط بعضهم على بعض : ألا يكذب أحد كذبة إلا قطعنا لسانه .

فجاء يونس من الغد ، فنظر فإذا المدينة على حالها ، والناس داخلون وخارجون فقال : كيف ألقاهم بوجه كاذب .

فأتى إلى ساحل البحر ، فمرت سفينة ، فأشار إليهم ، فحملوه وهم لا يعرفونه فقبع فى ناحية منها فرَقد ، فما مضوا إلا قليلا حتى جاءتهم ريح كادت السفينة تغرق .

فاجتمعوا فقالوا : أيقظوا الرجل ليدعوا معنا فأيقظوه . فدعا معهم ، فرفع الله تلك الريح ، وعاد لمكانه فعادت الريح ، فكادت السفينة تهلك ، فأيقظوه فدعا فزالت الريح فتفكر فقال : هذا من خطيئتى .

٣٬٩٢٦ / ٧٬٦٨٠