144
الجزء ٢ · صفحة ٨٤فيجوز أن تكون قد للتوقع بناء على إثبات التوقع من معانى قد بمعنى نعلم إخبار الله تعالى رسوله بأنه قد توقع رسوله أن يعلم الله ذلك ، وليس هذا على ظاهره لأنهُ ، A ، جازم بأن الله عالم بذلك ، ولكن أراد ملزوم العلم وهو الإجابة ، وجملة ( ترضاها ) نعت قبلة ، أى تحبها والمضارع للحال لأنهُ يحب الكعبة فى حاله لأغراض صحيحة أرادها الله ، وافقت مشيئة الله تعالى وقضاءه ، ومعنى ﴿ فولِّ وجْهَك شَطْر المَسْجد الحَرَام ﴾ اجعل وجهك يلى شطر المسجد الحرام ، واصرفه عن جهة بيت المقدس إلى جهة المسجد الحرام ، والآية تدل على أن الواجب استقبال الجهة قصد الموافقة سمت الكعبة لا عين الكعبة ، إذ لا طاقة لكل أحد على ذلك ، ولأن الصف الطويل يخرج عن الكعبة ، وقيل الواجب استقبال عين القبلة بالقصد ، ولو لم يوافقها باستقبالهِ وهو الصحيح وذلك فى البعيد ، ولذلك قال : ﴿ شَطْر المسجد ﴾ فذكر انشطر والمسجد ولم يذكر بدلها الكعبة ، وأما من يراها فالواجب عليه قبلة عينها جزما ، وكذا ذكر الشطر فى قوله : ﴿ فولُّوا وُجُوهَكم شَطْره ﴾ والظاهر أن قبلتنا هذه بلاد بنى مزاب وبعض الأندلس ومصر وبضع الشام ، وما على سمة ذلك هى المزاب والشطر الجهة وتلقاء ، وقد قرأ أبى تلقاء المسجد الحرام ، وقيل الشطر فى الأصل ما انفصل ، يقال دار شطور أى منفصلة عن الدورن ثم استعمل لبعض الشئ وإن لم ينفصل ذلك البعض ، ونصب الشطر على الظرفية ، والحرام الممنوع عن القتال فيه أو عن الظلمة أن يتعرضوه أو المقصود كل ذلك .
قال البخارى ومسلم عن البراء : أن النبى ، A ، كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده ، أو قال أخواله من الأنصار ، وأنه صلى اقبل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأن أول صلاة صلاها إلى الكعبة بعد بيت المقدس صلاة العصر ، ولى معه قوم ، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون ، فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله A قبل الكعبة ، فداروا كما هم قبل ، وكانت اليهود قد أعجبهم أنه كان يصلى ، A ، قبل بيت المقدس ، وهى قبلة أهل الكتاب ، فلما ولى جهه قبل البيت أنكروا ذلك ، قال البراء فى حديثه هذا : ومات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا ، فلم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله تعالى ﴿ وما كان الله ليُُضِيعَ إيمانَكُم ﴾ ، وروى البخارى ومسلم عن ابن عباس أنه قال : لما دخل النبى A ، ودعى فى نوحيه كلها ولم يصل حتى خرج منهُ ، ولما خرج ركع ركعتين قبل الكعبة ، وقال هذه القبلة ، يعنى أن أمر القبلة قد استقر على هذا البيت ، فلا ينسخ بعد اليوم ، فصلوا إلى الكعبة أبداً فهى قبلتكم ، ولعل هذا فى حجة الوداع أو عام الفتح بناء على أنه لم يصل فيها عام الفتح ، والمشهور أنه صلى فيها ، وروى البخارى ومسلم : أنه E قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ، ثم وجه إلى الكعبة فى رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين ، وقد صلى بأصحابه فى مسجد بنى سلمة ركعتين من الظهر ، فتحول فى الصلاة واستقبل الميزاب ، وتبادل الرجال ولانساء صفوفهم ، فسمى المسجد مسجد القبلتين ، ولا ينافى هذا حديث البراء المذكور ، ولأن مراد البراء أن أول صلاة صلاها كلها إلى الكعبة العصر ، وأما الظهر قبلة فصلة بعضه لبيت المقدس وبعضه للكعبة .