هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

154

الجزء ٣ · صفحة ٢٩٣

﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ ﴾ : أنزله الله عليكم ، بعد اغتمامكم فى الهزيمة والقتل والجراح ، وغير ذلك ، أما نازال به الخوف ، غطى طائفة عظيمة الشان منكم راسخة الإيمان ، بان حزموا يومئذ لا شك فيهم ، قيل فى أمرهم بأن هذه الغلبة لا تدوم ولا تستأصل المؤمنين تصديقاً لقوله A : « أن الله ينصر هذا الدين على غيره » وبلغ بهم الأمن حتى غشيهم النعاس ، قال أنس ابن أبى طلحة غشينا النعاس ، ونحن فى مصافنا يوم أحد ، فجعل سيفى يسقط من يدى وآخذه ، رواه البخارى ومسلم بسندهما ، ونحوه عن ابن مسعود والزبير ورواه الشيخ هود هكذا قال أبو طلحة : أنا يومئذ فيمن غشيه النعاس فجعل سيفى يسقط من يدى فآخذه ويسقط فآخذه . وهو كذلك أيضاً فى نسخة عن البخارى ، وعن أنس بن أبى طلحة : رفعت رأسى يوم أحد فجعلت أراهم وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحت حجفة من النعاس ، فذلك قوله تعالى ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً ﴾ قال الخازن : وقال الزبير بن العوام لقد رأيتني مع رسول الله A حين اشتد علينا الخوف ، فأرسل الله علينا النوم والله إنى لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشانى ، ما اسمعه إلا كالحلم ، يقول : لو كان لنا من الأمر شىء ما قتلنا ها هنا ، وأمنة ، مفعول به لأنزل ونعاساً ، بدل اشتمال ، والرابط محذوف ، أى نعاساً منها ، ويجوز أن يكون نعاس مفعولا به ، لأنزل ، وأمنة مفعول لأجله ، على أنها فعل الله ، بمعنى الإيمان أى تصيرهم آمنين فهى اسم مصدر أمن ، فقد اتحد الفاعل ويدل لهذ قوله ﴿ أى يغشيكم النعاس أمنة منه ﴾ وأجاز بعض ان يكون أمنة ، حالا من نعاس ، ونعاس مفعول به ، ولو كان نعاساً ليس نكرة لتقدم أمنة عليه ، وهو حمل على جعل المصدر حالا مع أن النعاس ليس أمنة ، كما ان راكباً فى جاء زيد راكباً هو زيد ، إلا أن يقال أمة اسم مصدر بمعنى مؤمن ، فحينئذ يكون النعاس مؤمناً لهم ، أى مزيلاً لخوفهم مجازاً ، ويجوز أن يكون أمنة حالا من كاف عليكم ، وهو مصدر بمعنى الوصف أى آمنين أو يقدر مضاف ، اى ذوى أمن أو جمع آمن ككامل وكملة ، أو مبالغة كأنهم نفس الأمن ونعاساً مفعول به ، والمعنى مختلف بالإعراب فعلى ام أمنة مفعول لأجله ، ونعاساً مفعول يكون المعنى أن الأمن حصل لهم النعاس لما نعسوا اضطرارا من الله جل وعلا ، وصحوا وصاروا آمنين ، وهكذا كنت أفسر الآية وكذا إن جعلنا آمنة حالا ، فإما مقدرة ، فالأمن بعد النعاس مسب عن النعاس ومقارنة أو ماضية ، فهو معه أو قبله وقرأ أمنة بفتح الهمزة ، وإسكان الميم وهو مرة من الأمن .

١٬٢٩٣ / ٧٬٦٨٠