176
الجزء ٣ · صفحة ٣٣٦﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾ : بقولهم أنت ساحر أو مجنون ، أو نحو ذلك ، وبقتالك ، وأنواع الأذى ككفار قريش ، وبالخذلان والطعن فيك ، والتثبط عن نصرك ، وتغير صفاتك وكتمانها ، كاليهود ، وبإسرار الشرك ، وإظهار التوحيد ، والطعن إذا خلا مع من هو مثله أو مع ضعيف ، كما فسر مجاهد والحسن الآية بهذا إسرار ، وبالردة مثل الذين ارتدوا ولحقوا بقريش وبجمع الجموع لقتالك ومعونتهم . ﴿ ويحزن ﴾ مضارع أحزن ، مكسور الزاى ، موافق حزن بفتح الثلاثى المتعدى ، أو معدى حزن الثلاثى اللازم ، وهكذا قرأ نافع فى القرآن إلا قوله تعالى ﴿ لا يحزنهم ﴾ فإنه بفتح الياء وبضم الزاى من حزن المتعدى المفتوح الزاى ، وهو لغة . وقيل : حزن لا زم إذا كسرت زاؤه ، ويتعدى بفتحها ، وقرأ غير نافع : ﴿ يحزنك ﴾ بفتح الياء وضم الزاء فى جميع القرآن ، أو اختير لفظ المفاعلة فى يسارعون ، لأن ما تفعله ، لأن تسبق فيه غيرك تجتهد فيه أكثر مما تفعله بدون ذلك ، فيسارعون للمفاعلة ، أو لموافقة اسرع ، لماء بلفظها لذلك . وقرئ : يسرعون بسكون السين مضارع أسرع ، ولا مفاعلة فيه وعدى يسارع بفى لا بإلى ، لتضمينه هنا معنى الوقوع ، أى : لا يحزنك الكفار بوقوع كفرهم سريعاً ، وبحرصهم على الكفر ، ويجوز تقدير الإضافة ، أى : لا يحزنك خوف ضر الكفار إياك ، فإنهم لا يقدرون لك على مضرة ، كما قال .
﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً ﴾ : فيقدر مضاف ، أى : لن يضروا أولياء الله ضرا ما ، فشيئاً : مفعول مطلق ، لون يضروا الله بشىء ، فهو منصوب على حذف الباء ، روى اى قوماً من الكفار اسلموا ثم ارتدوا خوفاً من قريش ، فوقع الغم فى قلبه A ، فإن اهتداءهم تكثير المؤمنين بهم ، ولأنه يتوقع أن يعنيوا المشركين فنزل ﴿ ولا يحزنك ﴾ الآية تنبيهاً له على أن الإسلام قائم بدونهم ، وأنهم ما ضروا بمسارعتهم فى الكفر إلا أنفسهم بحرمان ثواب الآخرة ، وإيجاب عقابها ، وعقاب الدنيا ، كما قال فى حرمان الثواب وإجاب عذاب الآخرة :
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ ﴾ : نصيباً فى رحمة الله وجنته يوم القيامة .
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ : عذاب جهنم ، ويجوز تفسيره بعذاب يصيبهم فى الدنيا كالقتل ، والسبى ، فتشمل الأية حرمان ثواب الآخرة ، وإيجاب عذاب الدنيا باللفظ ، وعذاب الآخرة بالفهم ، لأن من حرم ثواب الآخرة وقع فى عذابها ، وذلك دليل على أنهم لا يتوبون ، وذكر الإرادة تنبيهاً على أن كفرهم غاية ، حتى إن واسع الرحمة غاية لا يزيد لهم نصيباً فى الجنة وأن مسارعتهم فى الكفر لأنه أراد خذلانهم حتى لا يكون لهم نصيب فيها ، وفى الآية رد على القدرية ، ومنهم المعتزلة ، إذ قالوا إن الله لا يريد الكفر من الكافر ، بل أراد الطاعة منه .