159
الجزء ٣ · صفحة ٣٠٣قيل : ما اجتمع قوم يتشاورون فى أمر يعلم الله أنهم يريدون الخير إلا وقفوا لأرشد امرهم . قال بعضهم أمر الله رسوله A أن يشاور أصحابه فى الأمر ، وهو يأتيه الوحى من الله ، لأنه أطيب لأنفس القوم ، وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضاً فارادوا بذلك وجه الله ، عزم الله لهم على الرشاد ، وظاهر هذا الأثر أنه يشورهم فى الوحى ، وهذا الظاهر بعيد ، وقد أجمعوا أنه لا مشاورة فى الوحى ، ووجهه أنه ينزل عليه الوحى ، فيقول لهم ما تقولون فى كذا؟ ليعلم هل وافق رأيهم الوحى؟ ويؤيد هذا ما روى عن رسول الله A ، أنه أرسل إلى سعد وقد اصيب فى قتال قريظة فجاء على حمار فقال له رسول الله ، A : ؛ أشر على فى قريظة؟ فقال : قد عرفت أن الله أمرك فيهم بأمر أنت صانع ما امرك به . فقال : أشهر على فيهم فقال : لو وليت أمرهم لقتلت مقاتلهم وسبيت ذريتهم ، فقال A : بقد حكمت يهم بحكم الله من فوق سبع سموات ، اى بحكمه الذى أتى به على أن يتبع رايهم ، ويترك الوحى ، قال على : الاستشارة عين الهداية ، وقد خاطر من استغنى برايه ، والتقدير قبل العمل يؤمنك من الندم قال ابن عرفة : من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب . وهذا مما لا خلاف فيه ، وفى المشاورة علم الإنسان بعجزه إذا كان الرأى مع غيره ، وإن أخطأ لم يشتد عليه اللوم إذا شاور ، ولم يشتد عليه الندم ، ومستشار العالم الدين ، وقلما يكون ذلك إلا فى العاقل ، قال الحسن : ما كمل دين أمرء لم يكمل عقله كما قال قائل :
وشاور إذا شاورت كل مهذب … لبيب أخا حزم لترشد فى الأمر
ولا تلك من يستبد برأيه … فتعجز أو لا تستريح من الفكر
ألم تر أن الله قال لعبده … وشاورهم فى الأمر حتما بلانكر
﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ ﴾ : يا محمد على المشاورة ، أو على ما أشير له عليك إذا شاورت . وزقرأ جابر بن زيد ، وجعفر الصادق ، وعكرمةك بضم التاء على أنها الله ، أى إذا عزمت أنا فتوكل على ، على طريق الالتفات من التكلم للغيبة ، والله لا يوصف بالعزم ، فمعناه الإيجاب أو التعيين : أى فإذا أوجبت أو عينت ، فلا تشاور أحد ولا نظن أنهم قرأوا ذلك بلا سماع ، من الصحابة لأن ما كان كذلك لا يلحق بالقرآن .