هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

17

الجزء ٣ · صفحة ٤١٦

﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ ﴾ : مبتدأ وخبره على حذف مضاف ، أى : إنما قبول التوبة ثابت على الله ، وقيل : تقدير المضاف يقدر ثابتة على الله ، والتوبة المذكورة من العاصى ، ويجوز أن تكون من الله ، فلا يقدر مضاف من قولك : تاب الله عليه بمعنى قبل توبته .

﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ ﴾ : أى الذنب يسمى سوء عاقبته .

﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ : أى بسفه ، سواء كان سفهه لعدم علمه ، بأن ما عمله ذنب ، لأنه لا يعذر بعدم العلم إذا قازف الحديث الصحيح ، « ويل لمن لم يعلم ولم يعمل » أو كان سفهه عدم عمله بما عمله ، فإن عدم العمل بما عمل جهل حقيقة أيضاً أو مجاز ، لشبه العالم الخارج عن العمل بعمله بالجاهل ، كأنه جهل أنه ذنب ، وكأنه جهل أن عليه عقاباً ، وكأنه جهل أن لذة الدنيا فانية ، وتفسرى بالسفه من عموم المجاز ، لا جمع بين الحقيقة والمجاز ، ومما جاء فيه الجهل بمعنى عدم جرى الإنسان على مقتضىعلمه ، قول موسى عليه السلام ﴿ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ أى من المتخذين الناس هزءاً وقوله تعالى لنوح عليه السلام ﴿ إنى أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ وقول يوسف : ﴿ أصب إليهن وأكن من الجاهلين ﴾ وقوله لإخوته : ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ قال قتادة : أجمع أصحاب رسول الله A أن كل ما عصى به الله فهو جهالةن وكل من عصى الله فهو جاهل ، حتى ينزع عن جهالته . وللذين متعلق بمحذوف حال من الضمير فى ﴿ على الله ﴾ أو بما تعلق به على الله ، وإذا قلت : إن الظرف متعلق بما تعلق به الخبر ، أو النعت ، أو الحال فاعلم أنه خبر ثان ، أوحال ثان ، أو نعت ثان ، ويجوز تعليق نعت للتوبة ، ذكر مث هذا بعض المتأخرين ، أى التوبة الثابتة على الله والخبر للذين ، وبجهالة : حال من واو ﴿ يعملون ﴾ ، والباء للمصاحبة .

﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ : أى من زمان قريب وهو جميع ما بعد ذنبه ، وقبل معاينة ملك الموت ، أو أمر من أمور الآخرة عند احتضاره ، وذلك لأن الدنيا كلها زمان قريب ، فكيف عمر الإنسان ، وكيف ما بعد ذنبه؟

قال A : « إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرر » وروى عطاء أنها تقبل قبل موته ولو بفواق ناقة . قال أبو قلابة : إن الله تعالى لما خلق آدم فرآه إبليس أجوف ، ثم جرى له ما جرى ولعن ، وانظر قال : وعز تلك لا برحت من قبله ما دام فيه الروح ، فقال الله D تعالى : وعزتى لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح ، ويروى : وعزتى وجلالى وارتفاعى فى مكانى لا أزال أغفر له ما دام يستغفرنى ، وظاهر هذا الحديث الربانى أوسع لانه يفيد قبول التوبة ، ولو غرغر ، ما دامت فيه روحه ، ولو عاين أمراً من الآخرة أو ملك الموت ، والجواب أنه إذا غرغر لم تبق فيه قدر ما يتوب ، وقيلك تبقى قدر ما يتوب لكن لا تقبل ، وعن بشير بن كعب والحسن : أن النبى A قال :

١٬٤١٦ / ٧٬٦٨٠