هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

171

الجزء ٤ · صفحة ١٩٧

﴿ يَا أَهْلَ الكِتَابِ ﴾ : خطاب للنصارى بعد ما خاطب اليهود وغيرهم ، أو ما مر لليهود والنصارى ، وما هنا كذلك .

﴿ لا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ ﴾ : أى فى الدين الذى ألزمكم الله الكون عليه ، فاليهود غلت فى التقصير فى حق عيسى حتى قالوا : انه لمزنى لعنهم الله حاشاه وحاشا أمه ، والنصارى غلت فى رفعه حتى جعلوه إلهاً ، وبعضهم ابن الله ، وبعضهم ثالث ثلاثة ، واستدل على أن المراد بأهل الكتاب النصارى بقوله تعالى :

﴿ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلا الحَقَّ ﴾ : فان هذا فى حق الله وهو تنزيهه عن الشركة ، وشبه الخلق فهو نقض لقولهم ان عيسى إله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة ، وولهم : بحلول الله فى بدن الانسان ، تعالى الله ، والنبوة تستلزم اتخاذ الصاحبة والقائلون بأن أهل الكتاب فى الآية اليهود والنصارى .

يجيب بأن انكار اليهود نبوة عيسى ، ورميه بما رموه به من القول بغير الحق على الله ، والحق مفعول به لتقول ، لأن القول يجوز أن ينصب المفرد الذى بمعنى الجملة ، فان الحق هو قولك لا إله الا الله ، وعيسى عبده ورسوله ، ومحمد عبده ورسوله صلى الله وسلم عليهما ، وقيل : بنصبه ولم يكن بمعنى الجملة ، ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف ، أى الا القول الحق ، وبعد ما نهاهم عن الضلالة فى أمر عيسى أرشدهم الى طريق الحق فى أمر عيسى بقوله :

﴿ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَآ ﴾ : أوصلها .

﴿ إِلَى مَرْيَمَ ﴾ : ومعنى كون عيسى كلمة الله أنه حصل فى بطن أمه بقدرته التى تنفعل لها الأشياء اذا توجهت اليها ، وأنه كان بلا أب ولا نطفة ، ومن قال فيه غير ذلك أشرك ، وعيسى بدل أو بيان للمسيح ، وابن مريم بدل من عيسى ونعته ، ورسول الله خبر المسيح ، أو ابن مريم خبر أول واختلفوا فى الابدال من البدل ، وفى تعدده وألقاها حال من الكلمة على القول بجواز الحال من الخبر ، ولو لم يكن متبدأة اسم اشارة ، وعلى المنع وهو الأصح فهو حال من ضمير فى كلمة لأنه بمعنى مكون وموحد بفتح الجيم ، وقرأ جعفر بن محمد المسيح بكسر الميم وتشديد مكسورة .

﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ : أى من الله ، أى أنه روح جاء من اللهن أى هو روح ملك لله ومخلوقه له ، بلا مادة نطفة للروح ، بل روح مخترعة من الله جل وعلا ، ومن للابتداء لا للتبعيض ، ونسبته الى الله بقوله : منه تشريف له وتخصيص بأنه من الله ، لا من نطفة آب ، ولذلك سمى روحا .

وقيل : سمى روحا لأنه يحيى الموتى ، ويحيى القلوب بوعظه ، وقيل : الروح هو الذى نفخ به جبريل فى درع مريم ، فكان عيسى فى بطنها ، وذلك أن الروح والريح متقاربان ، فريح النفخ هو روح ، وقد قيل : ان الله جل وعلا لما خلق الأرواح جعلها فى صلب آدم عليه السلام ، وأمسك عنده روح عيسى عليه السلام ، ولما أراد خلقه أرسله مع جبريل عليه السلام الى مريم ، فنفخه فى درعها ، ولذلك قال : منه ، وقيل : منه بمعنى أن النفخ من الله بواسطة جبريل ، فقال : منه لأنه بأمر الله تبارك وتعالى .

١٬٦٩٧ / ٧٬٦٨٠