172
الجزء ٤ · صفحة ٢٠١﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدَ للهِ ﴾ : لن يترفع المسيح عن أن يكون عبدا لله ، يقال : نكف عن الشىء اذا تكبر عنه ، وهو من نكف الانسان الدمع اذا مسحه بيده لئلا يرى عليه أثره .
روى أن وفد نجران وكانوا من نصارى العرب قالوا لرسول الله A : لم تعيب صاحبنا؟ قال : ومن صاحبكم؟ قالوا : عيسى . قال : وأى شىء أقول؟ قالوا : تقول انه عبد الله ورسوله! قال : انه ليس بعار أن يكون عبدا لله ، قالوا : بلى . فنزل الآية ، لو كانت العبودية لله عيبا لم يثبتها على نفسه لله ، وقد قال : ﴿ إن عبد الله آتانى الكتاب ﴾ فان كون الانسان عبد لله شرف ، وانما الذل فى أن يكون عبدا للشيطان ، أو عبدا لانسان ، وقيلك لما رأى النصارى ما جرى على يد عيسى من الخوارق للعادة جعلوه إليها ، فرد الله عليهم بأنه مع شرفه وعظم شأنه قد أقر أنه عبد الله ولا يعبد الا الله .
﴿ وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴾ : عطف على المسيحن أى ولا الملائكة المقربون ، أن يكونوا عبدا لله ، والمقربون خاصة الملائكة ، وهم المكروبيون كما فى السؤالات ، فان كرب وقرب بمعنى واحد ، وجبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل وحملة العرش ونحوهم من أفاضل الملائكة ، ومن حول العرش أو من أعلى منهم رتبة ، ولا سيما عامتهم فانهم مع اجتهادهم فى العبادة لا يأنفون من أن يكونوا عبادا لله ، بل ما اجتهدوا فى العبادة الا لتوغلهم فى العبودية ﴿ ان كل من فى السموات والأرض الا آتى الرحمن عبدا ﴾ والنصارى قبحه الله لم ينفوا عن الملائكة أن يكونوا عبادا لله ، ولكن ذكرهم الله فى الرد عليهم لزيادة بيان أنه ليس لغير الله أن يأنف عن أن يكون عبدا لله سبحانه ، فليس فى الآية دليل لمن استدل بها على تفضيل الملائكة على الأنبياء ، وزعم أن ذكرهم بعد عيسى لكونهم أفضلن فيكون كالبرهان فى الرد على النصارى فى تنزيهه عن العبودية لله ، وقد ثبتت لهم فكيف هو فكثير ما يذكر الشىء استطرادا مع ما المقام له ، ولو كان مفضولا كقولك أصبح زيد لا يخالفه رئيس ولا مرءوس ، ولو سلمنا أن المراد تعظيم الملائكة على عيسى تبرهنا فى الرد على النصارى ، فالنزاع فى تفضيل الملائكة مطلقا على تفضيل الأنبياء مطلقا ، وليس فى الآية الا تفضيل المقربين من الملائكة على عيسى من الأنبياء ، وقيل ذكر الله الملائكة ردا على العرب الزاعمين أن الملائكة بنات الله ، والهه كما رد على النصارى قولهم المسيح اله أو ابن الله أى الملائكة عبدة لله عبيد له لا بنات ولا آلهة ، وقيل إن بعض النصارى أيضا يزعمون أن الملائكة آلهة كعيسى فرد الله عليهم .
﴿ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ ﴾ : عطف تفسير ، أو أريد بيستنكف مطلقا الامتناع او الاستنكاف ، والاستنكاف أشد الامتناع والترفع ، ولا يستعمل الاستنكاف الا حيث لا يحق الامتناع والترفع ، وأما التكبر فقد يكون حيث يحق كما فى صفة الله تعالى ، لكن لا يقال الله مستكبرا أو أريد يستكبر عن مطلق الحق وعن عباد الله جل جلاله .
﴿ فَسَيَحْشُرُهُمْ ﴾ : بالبعث ولا يطيوقون الامتناع .
﴿ إِلَيْهِ جَمِيعاً ﴾ : فيعاقبهم ، وقرىء بكسر الشين وقرىء نحشرهم بالنون وضم الشين وكسرها .