76
الجزء ٥ · صفحة ٦١وزعم بعض أن ذلك قاله إبراهيم على الاستدلال لنفسه ، كالقول الثانى ، لكن عند مراهقته أو أول بلوغه ، وهذان القائلان هربا من نسبة الشرك لإبراهيم صراحاً ، ولقد أوقعاه فيه ، إذ جوزا أن يكون مضت عليه مدة لا يعرف أن الله إلهه ، ولا أن إلهه غيره ، والحق ما ذكرته أولا ، وقد قال A : « كل مولود يولد على الفطرة » ودل على اعتقاد أن له ربا يعرفه قوله : ﴿ لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين ﴾ وقوله : ﴿ أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ إلخ وقوله : ﴿ فلما جن عليه ﴾ إلخ وهى دالة على أن قوله هذا بعد كونه من الموقنين ، وقوله تعالى : ﴿ وتلك حجتنا ﴾ إلخ ، وهذه الأدلة أيضا تدل أنهُ يقول ذلك احتجاجاً على قومه لا استدلالا لنفسه ، ومن أجاز على نبى الشرك قبل البلوغ فقد كفر ، فقد ظهر لك بطلان قول من زعم أن إبراهيم قال هذا ربى قبل أن يعرف الله ، وأنه قاله قبل البلوغ وهو غير مكلف ، وهذا خطأ عظيم من قائله ، وأخطأ منه من زعم أنه بلغ ولم يعرف ، وقد عذر أول بلوغه مقدار النظر والتفكر ، وهذا خطأ فاحش ، والحق أنه قال ذلك احتجاجاً على قومه قبل البلوغ وقيل بعد الرسالة ونسب للجمهور .
وأما قوله : ﴿ لئن لم يهدنى ربى ﴾ فإما أن يريد أن الله هو الذى يعلمه الشرائع ، ولو لم يعلمه الشرائع لكان خالياً منها ، تائها فى غيرها ، وقيل ذلك من كلامهم على حذف القول ، أى يقولون هذا ربى ، وأما قوله : ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ وقوله : وقوله : ﴿ لئن لم يهدنى ﴾ إلخ وقوله : ﴿ إنى برئ مما تشركون ﴾ فمنه يريهم الحق ، ويشير عليهم أن الرصد قد أثمر لكم ذلكن فما بقى إلا أن تقولوه ، أو يقدر هذا ربى بزعمكم ، وقال : لو كان إلهاً كما قلتم لم يزل كقوله تعالى : ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ أى عند نفسك فى الدنيا ، وقوله تعالى : ﴿ أين شركائى قالوا آذناك ﴾ أى بمن زعمتم أنهم شركائى ، ويجوز تقدير الاستفهام أى أهذا ربى فى المواقع الثلاثة .
قال فى عرائس القرآن وغيره : ولد إبراهيم عليه السلام فى زمان نمرود بن كنعان ، وقال : نمرود من وضع التاج على رأسه ، ودعا الناس إلى عبادته ، وكان له كهان ومنجمون وقالوا : إنه يولد فى بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه ، وقد قالوا له قيل ذلك : إنه يولد فى سنة كذا لهذه السنة ، ويقال : إنهم وجدوا ذلك فى كتب الأنبياء ، ويقال رأى نمرود فى منامه : كأن كوكبا قد طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع فزعاً شديداً ، فدعا السحرة والكهان والمنجمين والقافة ، وأهل مساحة الأرض ، وسألهم عن ذلك وقالوا : هو مولود يولد فى ناحيتك فى هذه السنة ، يكون هلاكك وزوال ملكك ، وهلاك أهل دينك على يديه ، فأمر بذبح كل غلام يولد فى تلك السنة فى ناحيته ، وإن ولدت أنثى تركها ، وأمر بعزل النساء عن الرجال ، وجعل على كل عشرة رجلا يحفظهم ، فإذا حاضت المرأى خلى بينها وبين زوجها ، لأنهم كانوا لا يجامعون فى الحيض ، فإذا طهرت حالوا بينهما فرجع فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقها فحملت بإبراهيم .