76
الجزء ٥ · صفحة ٦٢قال محمد بن إسحاق : بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى فى قريته قرب ولادتها فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها ، لأنها كانت جارية صغيرة لا يعرف الحبل فى بطنها ، وقال السدى : خرج نمرود بالرجال إلى العسكر وعزلهم عن النساء تخوفاً من ذلك المولود ، فمكث بذلك ما شاء الله ، ثم بدت له حاجة إلى المدينة ، فلم يأمن عليها أحداً من قومه إلا آزر ، فبعث إليه فأحضره عنده وقال له : إن لى إليك حاجة أحب أن أوصيك بها ، ولم أبعثك فيها إلا لثقتى بك ، فأقسمت عليك ألا تدنو من أهلك ، فقال آزر : أنا أشح على دينى من ذلك ، فأوصاه بحاجته فدخل المدينة وقضى حاجة نمرود ، ثم قال لو دخلت على أهلى فنظرت إليهم ، فلما دخل على أم إبراهيم ونظر إليها لم يتمالك حتى واقها ، فحملت من ساعنها بإبراهيم .
قال ابن عباس : فقالت الكهان لنمرود : إن الغلام الذى أخبرنا به قد حملت أمه به الليلة ، فأمر نمرود بذبح الغلمان التى يمكن حملها من تلك الليلة ، وأمر بأن تعزل النساء إلا اللاتى استبان فيهن الحمل ، وظهر تقدمه على الليلة ، فلا يذبح أولادهن ، ولما دنت ولادة أم إبراهيم ، وأخذها المخاض ، هربت مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها ، فوضعته من بطنها فى نهر يابس ولفته فى خرقة ، فرجعت فأخبرت زوجها أنها ولدت ، وأن الولد فى موضع كذا ، فانطلق أبوه فأخذه وحفر له سرباً فى النهر وسد بابه مخافة السباع ، وكلنت أمه تختلف إليه فترضعه .
وعن ابن إسحاق : لما وجدت الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قرباً منها ، فولدت فيها إبراهيم وأصلحت من شأنه ما يصلح بالمولود ، ثم سدت عليه باب المغارة ، ثم رجعت إلى بيتها ، وكانت تختلف إليه تنظر ما فعل فتجده حياً يمحص إبهامه ، قالت أم إبراهيم : لأنظرن إلى أصابعه فوجدته يمص من أصبع ماء ، ومن أصبع لبناً ، ومن أصبع سمناً ومن أصبع عسلا ، ومن أصبع تمراً .
وقيل : كان يغذوه ملك ، وقيل تأتيه أمه بألبان النساء التى ذبح أبناؤهن ، وقال السدى : لما عظم بطن أم إبراهيم خشى آزر أن تذبح هى وما فى بطنها ، فانطلق بها إلى أرض بين الكوفة والبصرة يقال لها أوراقا ، فأنزلها هناك فى سرب من الأرض ، وجعل عندها ما يصلحها ، وجعل يتعهدها حتى ولدت ، وذلك مخافة أن تقتل هى وأن يقتل ولدها ، إذ سترت نفسها .