25
الجزء ٥ · صفحة ٣٥٤﴿ لا يحطمنكم سليمان ﴾ كذا قيل .
قلت : تضمن النفى معنى النهى لا يخرج الجواب عن التردد ، لأن جواب الشرط متردد ، ولو كان طلبا لتعليقه بالشرط وقوعا أو عدما ، والأولى أن يقال كما قال ابن هشام وخالد وغيرهما : إن تأكيد الفعل بالنون بعد لا النافية قليل ، ووجه وروده شبهها بالناهية صورة ، فيكون التضعيف بالقلة ، فيجاب بتضمين معنى النهى .
وقيل إن تأكيد الفعل بالنون بعد لا النافية مختص بالضرورة ، ويجوز كون لا تصيبن نعتا لفتنة ولا نافية وفميا مر من قلة تأكيد الفعل بالنون بعد لا النافية ، وإن أجيب بتضمنها معنى النهى أحوج ذلك إلى تقدير القول ، وإلى التأويل بأن الكلام من التغير بالمسبب اللازم عن السبب الملزوم ، يما يحوج إلى ذلك التقدير ، وذلك التأويل جعل لا ناهية ، وحمل الكلام على النعت ، وذلك لأن الطلب لا يقع نعتا ، فقدر القول وإصابة الفتنة الظالم وغيره مسلية عن التعرض لها ، ولازمة له ، والتعرض سبب ولازم ، والاصل لا تتعرض لها فتصيب الظالم وغيره ، وأنت خبير بأن الإصابة لا تختص بالمتعرضين كما تراه واضحا من العبادة ، ولو كان مفعول الإصابة هو فاعل التعرض خلافا لبعض المتأخرين وغيرهم كالقاضى وابن هشام .
قيل : ويجوز تنزيل الفتنة منزلة العاقل الذى ينهى ، فلا يحتاج إلى ذلك التأويل ، ولك أن تجعل لا ناهية ، والكلام مستأنفا فلا يقدر القول ، ولكن يحتاج إلى ذلك التأويل أو إلى هذا التنزيل ، ويجوز كون لا تصيبن جوابا لقسم المحذوف ، وتوكيد الفعل بالنون بعد لا النافية فى جواب القسم جائز تنزيلا لها منزلة اللام ، ويؤيده قراءة ابن مسعود : لتصيبن باللام لا بلا ، وكذا قرأ على ، وزيد بن ثابت ، وأبو جعفر محمد ابن على ، والربيع بن أنس ، وأبو العالية ، وابن خمار ، وحكاه النقاش عن الزبير بن العوام ، وهو مخالف لما مر عنه من تأويل الآية بنفسه ، ومن معه يوم الجمل ، والإصابة فى هذه القراءة خاصة بالظالمين .
قال أبو الفتح : أن يكون الأصل فى هذه القراءة لا تصيبن خفف بحذف الألف اكتفاء بالفتح ، وأن يكون الأصل فى قراءة لا تصيبن ، لتصيبن أشبعت اللام فتولدت الألف ، وحكى النقاش ، عن ابن مسعود : واتقوا فتنة أن تصيب الذين ، فالمصدر من تصيب بدل اشتمال من فتنةن ، وقال الأخفش على بن سليمان : لا تصيبن على معنى الدعاء والاستئناف ، أو النعت على تقدير القول ، والمراد أنه على طريق الدعاء لا حقيقة الدعاء ، وأنها لا تصيب الظالم بها فقط ، بل الظالم بها والظالم بغيرها كما مرّ ، فبطل قول بعضهم : إن هذا إنما يأتى إن كان الكلام مقولا على لسان بعض الناس ، وفيه ما لا يخفى ، وأنه شديد الضعف ، أو خاصة مفعول مطلق ، أى إصابة خاصة أو حال من الضمير فى تصيب .