34
الجزء ٥ · صفحة ٣٦٧بل نمهلهم على عادتنا فى الإمهال ، وقال الحسن : ﴿ وما كان الله ليعذبهم ﴾ إلى ﴿ يستغفرون ﴾ منسوخ بقوله : ﴿ وما لهم أن لا يعذبهم ﴾ الخ ، ويرده ان الإخبار لا يدخله النسخ لاستلزام نسخة الكذب .
﴿ وهُم يَصدُّونَ ﴾ الناس ﴿ عَنِ المسْجِد الحَرَامِ ﴾ وذلك أنهم ألجئوا رسول الله A ، والمؤمنين إلى الهجرة ، فبعدوا عن المسجد الحرام ، ولم يجدوا الوصول إليه بهم وأحصروهم عام الحديبية ، وكانوا يقولون : نحن ولات البيت الحرام ، نصد من نشاء ، وندخل من نشاء ، فأنزل الله رداً عليهم قوله : ﴿ وما كانُوا أوْلياءَهُ ﴾ أى أولياء المسجد الحرام ، فإذا لم يكونوا أولياءه فليسوا أيضا بأولى بالحرم على الإطلاق ، لأن المسجد داخل الحرم ، فليس لهم أن يمنعوا مريد دخول الحرم لدخول المسجد ، وقيل : الضمير لله ، والماصدق واحد ، فإن من لم يكن وليا لله لا يكون وليا لبيته ومسجده .
﴿ إنْ أوْلياؤه ﴾ أى أولياء المسجد أو الله ﴿ إلا المتَّقُون ﴾ للشرك وكبائر النفاق ، فليس يكون الموحد وليا له ولا لمسجده ، إلا إن كان برا تقيا ، فكيف بالمشرك المعادى للدين أن يكون والى أمره ، وعن الكلبى ، وابن عباس أيضا : نزل ذلك فى شأن الحارث بن عامر بن نوفل ، إذ أمره A بالإيمان فقال : إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ، وإن تركنا هنا لأن على دين هؤلاء ولو خرجنا عنه لأخرجونا ، فأنزل الله كيف أعذبهم إن آمنوا وأنت فيهم وهم مستغفرون ، وإنما أعذبهم إن لم يفعلوا .
﴿ ولكنَّ أكْثرهُم لا يعْلَمونَ ﴾ أنهم ليسوا أولياءه ، وإنما قال : ﴿ أكثرهم ﴾ لأن فيهم قليلا يعلمون أنهم ليسوا أولياءه ، وعاندوا طلبا للرياسة ، أو لأن فيهم من جنح إلى الإيمان وعلم ذلك ، ولكن لم يخلص إيمانه ، أو لأن فيهم من أسلم وأخفى السلامة ، فكان بصورة مشرك فجاء لفظ الأكثر باعتبار صورته ، وقد قيل بهذين الوجهين فى العباس وأم الفضل وغيرهما ، وقيل : المراد الكل بالأكثر ، كما يراد بالقلة العدم ، قال سيبويه : تقول العرب : قَلَّ من يثول كذا ، وهى تريد أن لا أحد يقوله .