25
الجزء ٥ · صفحة ٤٦٢قال بعضهم : خرج مع رسول الله A ثمانون رجلا من المشركين ، منهم صفوان بن أمية ، وكان رسول الله A استعار منه مائة درع بأداتها ، وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف ، وكان على هوازن مالك بن عوف النصرى ، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو ، وقال بعضهم : انضم إليه أخلاط الناس ، حتى صاروا ثلاثين ألفا ، ويرده إعجاب المؤمنين بكثرتهم ، إذ لا تعجبهم كثرتهم مع هذا العدد من عدوهم ، إلا إن أعجبتهم قبل أن يعلموا عدد عدوهم ، وقبل أن يروهم ، ومع هذا يضعفه ما ذكروا من أن الله سبحانه غلب المشركين عليهم أولا ، ليعلموا أن النصر بالله لا بالكثرة ، وليذل رؤساء دخلت حرمه مرتفعة بالفتح لا متواضعة ، كرسوله إذ دخلها منحنيا على مركوبه .
﴿ فَلَم تغْنِ عنْكُم شيئاً ﴾ من الإغناء ، أو من أمر العدو ، فهو مفعول به ، ويجوز كونه مفعولا مطلقا ، أى فلم تغن عنكم إغناء وذلك أن بعضا من المسلمين قال : لن نغلب اليوم من قلة إعجابا بكثرتهم ، ومن للتعليل ، ومعناه لا نغلب لقلة ، بل إن كانت الغلبة فلأمر غير القلة ، وذلك لعدم القلة كذا كنت أفهم ، ثم رأيته للسعد فى حاشية الكشاف والحمد لله ، فوكلهم الله إلى كثرتهم ، وتلك الكلمة ، فكانوا مغلوبين ، ثم نصرهم فكانوا غالبين ، ولما قال القائل ذلك ساء رسول الله A ، وهو ابن سلامة بن رقيش الأنصارى ، وقال ابن المسيب : أبو بكر ، وقال ابن جرير الطبرى : هو رسول الله A ، وأقره الثعالبى ، ورد عليه غيره بأن رسول الله A لا يلتفت إلى كثرة العدد .
﴿ وضَاقَتْ عَليْكم الأرْضُ بما رَحُبَت ﴾ الباء بمعنى مع ، وما مصدرية ، أى مع وسعها ، ويتعلق بمحذوف حال من الأرض ، أى كانت عليكم ضيقة كمن لا يسعه مكانه ، وذلك كناية عن شدة الرعب ﴿ ثمَّ ولَّيْتم مُدْبرينَ ﴾ أى وليتم الكفار ظهوركم ، أى جعلتموهم تالين لظهوركم بفراركم ، ومدبرين حال مؤكدة لعاملها ، وقد يقال : مؤسسة بأن يجعل التولى بمعنى الرجوع المطلق إلى خلف ، ومدبرين بمعنى منهزمين ، والعطف على ﴿ أعجبتكم كثرتكم ﴾ لتصح المهلة ، ويجوز أن يكون على ﴿ ضاقت عليكم الأرض بما رحبت ﴾ على أن ثم بمعنى الفاء ، أو كانت مهلة بين الضيق والتولى ، أو عد ما بينهما ولو قليلا مهلة .
روى أنهم انهزموا حتى بلغ بعضهم مكة ، وذلك التولى زلة من المسلمين ، لكن من فرمنهم لا للكثرة على نية العود للفئة ، أو كالمتحرف لقتال ، فإنه لفراره تتفرق عنه الكثرة ، ويقال : تابعه ، وعن قتادة : إن المنهزمين أولا هم الطلقاء ، قصدوا إلقاء الهزيمة فى المسلمين ، ولم ينهزم رسول الله A ، وبقى معه ثلاثمائة رجل من المسلمين وقيل : انكشفت خيل بنى سليم مولية ، وتبعهم أهل مكة ، ولم يثبت معه إلا العباس بن عبد المطلب ، وابنه قثم ، وعلى بن أبى طالب ، والفضل بن العباس ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وأخوه ربيعة ، وأبو بكر ، وعمر ، وأسامة بن زيد ، وأخوه لأمه أيمن بن أم أيمن فى أناس من أهل بيته وأصحابه ، ولا يبلغون مائة ، وقيل : لم يبق معه إلا العباس ، وأبو سفيان ، وأيمن ، وقيل : علىّ ، والعباس ، وأبو سفيان آخذ بعنان بغلته A ، وهم من بنى هاشم ، وابن مسعود من الجانب الآخر ، وقال العلامة الورع فى مذهبه النووى ، تلميذ ابن مالك : بقى معه اثنى عشر رجلا .