5
الجزء ٥ · صفحة ٤٣٧﴿ فإذا انْسَلخ الأشْهر الحُرُم ﴾ انقضت ، وأصل الانسلاخ خروج الشىء مما يلبسه ، والأشهر الحرم أربعة الأشهر التى جعل للمشركين أن يسيحوا فيها ، وقد مر الخلف فيها ، سميت حرما لتحريم القتال فيها فى ذلك العام ، وقيل : لتحريم نبذ العهد فيها فى ذلك العام ، وقيل : رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ووجهه أن المدة أخذت من هذه الأربعة ، وكان تمامها تمام هذه الأربعة ، فصح تأجيلها بانسلاخ الأربعة ، فليس هذا القول مخلا بالنظم .
غير أن تسمية رجب وذى القعدة وذى الحجة والمحرم أشهرا حرما ، والتأجيل بانسلاخها يقتضيان بقاءها كما كانت قبل ، على تحريم القتال فيها ، مع أن العلماء أجمعوا على أن القتال فيها حلال ، ولم ينزل ناسخ لها فيما قال القاض ، فلا تحمل الأشهر الحرم على هذه الأربعة لئلا يخالف الإجماع ، وحملها جار الله عليها ، وقال : إن العلماء أجمعوا على حل القتال فيها لنزول ناسخها .
﴿ فاقْتلُوا المشْركينَ حَيثُ وجدْتُموهُم ﴾ فى الحل والحرم ، قيل : وعند البيت ، وهذه الآية ناسخة لكل آية أمر فيها بالكف أو بالمهادنة ، وذلك مائة وأربع عشرة آية ، وقيل : مائة وأربع وعشرون ، زعم بعضهم أن ذلك عجيب ، نسخت هذه الآية ذلك العدد من الآى ، ثم نسخت بقوله : ﴿ وإن أحد من المشركين ﴾ .
قلت : بل قوله : ﴿ وإن أحد ﴾ الآية ، قيل فيها : لا ناسخ لها ، والمراد بالمشركين من لا عهد له ، أو له عهد على تمام الأربعة ، أو له عهد أقل منها ، أو له عهد أكثر ونقصَه ، وقيل : كل مشرك ، وزعم عطاء والسدى والضحاك ، أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ﴿ فإمَّا منًّا بعدُ وإمَّا فداء ﴾ وقالوا : لا يجوز قتل الأسير ، بل يمنّ عليه بالإطلاق ، أو يفادى ، وزعم قتادة ومجاهد أنها ناسخة لقوله تعالى : ﴿ فإمَّا مناً بعدُ وإما فداء ﴾ وقال : لا يجوز فى الأسير إلا القتل ، وقال ابن زيد الأندلسى : إن الآيتين محكمتان ، لأن هذه فى حال القتال ، وليس فيها ذكر للأسر ، وتلك فى الأسر ، والأسر غير القتال وهو الصحيح .
﴿ وخُذُوهُم ﴾ وأسروهم ، والأخيذ الأسير ﴿ واحْصُروهُم ﴾ احبسوهم لتتمكنوا منهم ، وعن ابن عباس : أحضروهم أن تحصنوا ، وعنه حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام ، وقيل : امنعوهم من دخول مكة ، والتصرف فى بلاد الإسلام .
﴿ واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصدٍ ﴾ كل موضع يصلح أن يرصد فيه العدو ، أى يرتقب فيه بأن يكون بئرا له لئلا ينبسطوا فى البلاد ، وقيل : المراد طريق مكة ، ولئلا يدخلوها ، ونصب كل على الظرفية المكانية ، لأنه ينصب على الظرفية إذا أضيف إلى ما يدل على زمان ، أو مكان ولو لم يصلح هذا المضاف إليه للنصب على الظرفية كمرصد هنا ، فإنه لا يصلح لها لأنه ولو كان اسم مكان ، لكنه لم يتسلط عليه ، ما هو فى لفظه ومعناه ، وقيل : منصوب على نزع الخافض ، أى فى كل مرصد أو على كل مرصد .