هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

12

الجزء ٥ · صفحة ٤٤٥

﴿ وإنْ نكثُوا ﴾ نقضوا ، وأصله نقض ما قتل ، واستعير لإبطال العهد ﴿ أيْمانَهمْ ﴾ حلفانهم على أن لا يقاتلوكم ، ولا يظاهروا أحد على قتالكم ﴿ مِنْ بَعْد عَهْدهم ﴾ بعدم القتال والمظاهرة ، وذكر هذا التكرير ليزدادوا به قبحا عند السامع ، فإن عهدهم هو حلفهم على ذلك ، ويجوز أن يراد بالعهد الإقرار بأن لا يقاتلوا ، ولا يظاهروا بالأيمان الحلف على ذلك ، فلا تكرار ، وهذا الوجه أولى ﴿ وطَعَنُوا ﴾ نقصوا ، وأصل الطعن الضرب فى الشىء ، واستعير لما ينقص فى الإسلام مثل تكذيبه والحرب ﴿ فى دِينكُم ﴾ بتكذيبه وتقبيح الأحكام ، ولا يخلوا النكث عن الطعن ، وقد يقال : قوله : ﴿ وطعنوا فى دينكم ﴾ تفسيرا للنكث وإعلاما بأن الطعن فيه نكث ، فيكف القتال والمظاهرة .

﴿ فقاتِلُوا أئمَّة الكُفْر ﴾ الأصل فقاتلوهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر ، للدلالة على أنهم صاروا بالنكث والطعن رؤساء فى الكفر ، وبالغوا فيه ، فهم أحقاء بالقتل ، والضمائر للمشركين الذين عاهدوا .

وعن الكلبى : المراد المصالحون عام الحديبية ، وكانوا ردوا رسول الله E ومن معه عن البيت ، وعن نحر البدن ، على أن يخلوا مكة له فى العام القابل ثلاثة أيام ، وأن لا يأتيهم بسلاح إلا سلاح فى قراب ، ومن صبأ إليه يرده إليهم ، فنقضوا حين أعانوا على خزاعة ، وهم فى ذمة رسول الله A ، فركب ثلاثون رجلا من خزاعة إلى رسول الله A ، فيهم بديل بن ورقاء ، فأخبروه بالغدر ، وطلبوا منه النصر ويأتى ذلك فى قصة الفتح إن شاء الله .

ورد ذلك ، وقيل : المراد بأئمة الكفر الرؤساء من المشركين المعاهدين الماكثين الطاعنين ، وخصهم بالقتال ، لأن قتلهم أهم وللمنع من مراقبتهم ، ولأن قتالهم قتال الأتباع ، والآية على العموم والدوام ، وقال ابن عباس ، وقتادة : أئمة الكفر : أبو سفيان بن حرب ، والحارث بن هشام ، وأبو جهل بن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، وسهيل بن عمرو ، وعكرمة بن أبى جهل ، وغيرهم من رؤساء قريش الذين هموا بإخراج الرسول من مكة .

ورد بأن الآية نزلت بعد بدر بكثير ، إلا إن أراد بذكر هؤلاء التمثيل لأعيانهم ، وقال مجاهد : أئمة الكفر : فارس والروم ، وقال وقال حذيفة بن اليمان رضى الله عنه : لم يجىء هؤلاء بعد ، فيحتمل أن يريد أنهم لم يجيئوا كلهم ، بل جاء بعض ، وبقى من بقى ، فهم يجيئوا إلى يوم القيامة ، فيوافق ما ذكرت من أن الآية على العموم والدوام ، ويحتمل فيما قال بعض : إنه يريد اليهود الذين يجيئون مع الدجال فى آخر الزمان ، فإنهم أئمة الكفر فى ذلك الزمان .

وقيل : الضمير فى نكثوا وما بعده عائد للذن تابوا ، وأقاموا الصلاة ، وأتوا الزكاة ، فالمراد بالنكث الرجوع إلى الكفر ، وتسهيل الهمزة الثانية فى أئمة قراءة نافع ، وابن كثير ، وأبى عمرو ، وروى عنهم إبدالها ياء ، وروى عن نافع تخفيفها كالباقين المحققين لها حيث وقع لفظ أئمة ، وروى عنه مد الهمزة الأولى بإبدال الثانية ألفا وروى هشام ، عن ابن عامر : إدخال ألف بينهما ، والمشهور عنه التحقيق ، وقال الفراء ، وتبعه جار الله ، والقاضى : أن إبدالها ياء لحن ، وليس كذلك ، بل الجمهور من النحاة والقراء على جواز التسهيل ، جواز قلب الثانية ياء .

٢٬٤٤٥ / ٧٬٦٨٠