هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

8

الجزء ٥ · صفحة ٤٤١

﴿ كَيفَ ﴾ يكون لهم عهد تمسكوا به ، أو كيف يكون لهم عهد يوفى لهم به ، وقد نقضوه ، فإعراب كيف كإعراب كيف السابقة ، وإنما كررت تأكيدا لاستبعاد كون عهد لهم ، ويجوز أن يقدر كيف يثبتون على العهد ، أو كيف يبقى حكم العهد لهم مع نقضهم له ، فكيف حال أو كيف ثبوتهم على العهد ، أو كيف بقاء حكمه لهم ، فهى خبر للمبتدأ بعدها ﴿ وإنْ يظْهرُوا ﴾ الواو للحال ، والحال أنهم إن يعلوا ﴿ عَليْكم ﴾ بالغلبة .

﴿ لا يَرقبُوا ﴾ لا يراعوا ولا يحافظوا ، أو لا ينظروا ﴿ فِيكُم إلاًّ ﴾ حلفا ووجه تسمية الحلف إلا أنهم إذا تماسحوا بالأيدى عند المخالفة ، رفعوا أصواتهم ، وشهروا أمرهم ، ورفع الصوت يقال له إلّ وإليل ، فقيل لكل عهد وميثاق : إلّ ، وإلا فالإل فى الآية صحيح اللام مضاعف ، والإلية بمعنى الحلف معتلة غير مضاعف ، وذلك قول قتادة ، فقال ابن عباس : إلا قرابة ، وجهه أن القرابة مثل ذلك المذكور من رفع الصوت بالمحالفة فى العقد ، بل أشد عقدا ، ومثله قول بعضهم : إلا رحما ، وذلك كله استعارة ، وقيل : حقيقة ، وقيل : الإل التحديد ، فإن المحالفة على الشىء إغراء عليه ، وقيل اللمعان ، فإن المحالفة فى شهرتها كشىء ساطع لامع ، وقيل : إلا اسم الله تعالى بالعبرانية ، فإنما صرف مع وجود العلمية والعجمة ، لأنه ثلاثى ساكن الوسط كما يقال له أيضا بالعبرانية : إيل .

وقد قالوا معنى جبرا وعزرا وميكا وإسراف فى الأصل عبد ، وإيل الله فى جبريل وعزرائيل وميكائيل وإسرافيل ، ولكن بدلت همزة هذا شذوذا ، أو حذفت همزته ، وقد قرىء جبرال براءة فهمزة مكسورة مشددة مثل إلاًّ فى الآية ، غير أن جبرال منع الصرف لأنه صير اسما واحدا فوق الثلاثى .

ولما سمع أبو بكر رضى الله عنه كلام مسيلمة الكذاب قال : هذا كلام لم يخرج من إل ، أى لم يكن من الله ، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس : لا يراقبوا فيكم إيلا بهمزة مكسورة فياء ساكنة من معناه الله ، ويجوز أن يكون الأصل إلا بهمزة ، فلام مشددة أبدلت اللام المدغمة ياء ، كما أبدلت الميم المدغمة ياء فى إما المكسورة الهمزة ، فيحتمل المعانى السابقة ، ويجوز أن يكون إل يؤل إذا ساس كما قال عمر رضى الله عنه : قد إلنا وإيل علينا ، أى لا يرقبوا فيكم سياسة ولا مداراة ، قلبت الواو ياء لسكونها بعد كسر ، وقرأت فرقة ألاًّ بفتح الهمزة مصدرا بمعنى العهد .

﴿ ولا ذِمَّةً ﴾ عهدا أو حقا تركه عيب ، قال الأصمعى : الذمة كلما يجب أن يحفظ ويحمى ، وقال مجاهد : الإيل والذمة بمعنى العهد ، كرر تأكيدا مع اختلاف اللفظ ﴿ يُرضُونكُم ﴾ مضارع أرضى المتعدى بالهمزة ﴿ بأفْواهِهِم ﴾ هذا كلام مستأنف فى بيان مخالفة ظاهرهم لباطنهم المنافية للثبات على العهد ، المؤدية إلى عدم مراقبتهم فيكم إلا ولا ذمة إن ظفروا بكم ، وليس الكلام حالا من الواو فى قوله : ﴿ لا يرقبوا ﴾ لأنهم بعد ظهورهم على المؤمنين لا يرضونهم بأفواههم ، بل يصرحون بالطعن فيهم ، ولأن المراد ثبات إرضائهم المؤمنين بألسنتهم بالكلام الجميل ، وبوعد الإيمان ، والوفاء بالعهد ، والطاعة وإخفاء العداوة .

٢٬٤٤١ / ٧٬٦٨٠