40
الجزء ٦ · صفحة ٥، وقيل : علموه غارا ورأوا فمه ، لكن بعث الله حمامتين وحشيتين باضتا فى أسفله ، وعنكبوتا نسج على فمه بقدر ما يظن أنه نسج لعام وهو المشهور .
﴿ فأنْزلَ اللهُ سَكينتهُ ﴾ الطمأنينة التى خلقها تسكن إليها القلوب ، ورحمة منه سبحانه ﴿ عَليْه ﴾ أى على رسوله ، وقيل : الضمير عائد إلى صاحب وهو أبو بكر رضى الله عنه ، وهو أظهر لأنه كان منزعجا فى الغار ، بخلاف رسول الله A ، فإنه لم يزل ساكن النفس ، مطمئنا ، والجمهور على الأول وهو أنسب بما يعد ذلك فى الآية ، ووجهه أنه ولو كان لم يزل ساكن النفس مطمئنا ، لكنه قد تعتريه مخافة ، ما أو أنه أراد أنه أنزل عليه سكينته على السكينة التى هو فيها ، أو أنه أراد بالسكينة الحفظ الذى من شأنه أن يسكن إليه ساكن ، أو أمرا يختص بالتبيين .
ولا يخفى ما خص الله به أبا بكر ، واختاره به على غير بعد النبى A ، مثل جعله صاحبا لرسول الله A فى الغار حالة الخوف لشدة صفائه فى الظاهر والباطن ، وذكر صحبته فى القرآن ، ومثل جعله صاحبا له فى الهجرة قبل الغار ، وفيه وبعده ، صعد يوما على المنبر وقال : أيكم يحفظ سورة براءة؟ فقال رجل : أنا ، فقال : اقرأ فقرأ ، فلما انتهى إلى قوله : ﴿ إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ﴾ بكى وقال : أنا والله صاحبه .
قال الليث : ما صحب الأنبياء عليهم السلام مثل أبى بكر رضى الله عنه ، قال سفيان بن عيينة : عاتب الله الأمة بقوله : ﴿ إلا تنصروه ﴾ إلا أبا بكر فإنه خرج بقوله : ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ الخ ، وليس كذلك ، فإن المعاتبة إنما هى لمن تخلفه ، ومثل عدم تخلفه عن رسول الله A فى سفر ولا حضر ، هو مثل نفعه لرسول الله A بنفسه وماله ونيته ، وقد ذكر بعض العلماء أنه ثانى رسول الله A فى أكثر الأحوال كالإمامة والتوبة .
ومثل كونه أول من آمن عند بعض ، وقيل : علىّ ، وقيل : خديجة ، وقيل : راهب ، وعلى يده آمن عثمان ، وطلحة ، والزبير ، ومثل كونه ما يقف رسول الله A فى موقف من غزواته إلا وأبو بكر معه فى ذلك الموقف ، ومثل كون الله ثالثهما ، ومثل ذكره بخصوصه بإنزال السكينة عليه مع عموم إنزال السكينة على المؤمنين إياه على ما مر .
وعن عمر رضى الله عنه : وددت أن عملى كله مثل عمل أبى بكر يوما واحدا من أيامه ، وليلة واحدة من لياليه ، أما يومه فيوم منعت العرب الزكاة فقال : لو منعونى عقالا لجاهدتهم عليه ، فقلت : يا خليفة رسول الله A تألف الناس وارفق بهم ، فقا لى : أجبار فى الجاهلية خوار فى الإسلام ، أنه قد انقطع الوحى ، وتم الدين ، أينقص وأنا حى ، وأما ليلته فليلة سار مع رسول الله A إلى الغار ، ودخل قبله ليتلقى ما فيه من ضر وكسحه ، وشق إزاره وسد به ثقبات ، وبقيت واحدة فألقمها رجله ، ثم قال لرسول الله A : ادخل فدخل ، فوضع رأسه فى حجره ، ولدغ فى رجله من الثقبة ، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله A فسقطت دموعه على وجه رسول الله A ، فقال : « مالك يا أبا بكر؟ » فقال لدغت فداك أبى وأمى ، فتفل عليها رسول الله A فذهب ما يجده وعادت عليه هذه اللدغة ، وكانت سبب موته ليموت شهيدا ، أو مما لا ينسى لأبى بكر مفارقته الرياسة التى هو فيها فى طاعة الله ورسوله ، وفى الكفر مدة وإباء .