69
الجزء ٦ · صفحة ٤٧﴿ كالَّذينَ مِن قَبْلكُم ﴾ خبر لمحذوف أى أنتم مثل الذين ، أو ثابتون كالذين ، أو مفعول لمحذوف أى فعلهم مثل ما فعل الذين ، أو نعت لمفعول محذوف ، أى فعلا ثابتا كفعل الذين ، أو متعلق بوعد أو مفعول مطلق له ، أى وعدا ثابتا كوعد الذين ، أو وعدا مثل وعد الذين ، وفى الثلاثة ضعف والخطاب للمنافقين على طريق الالتفات ، أو على تقدير القول ، أى قل لهم : أنتم كالذين من قبلكم ، وقيل : الخطاب لهم وللمشركين .
﴿ كانُوا أشدَّ منكُم قوةً وأكْثَر أموالاً وأولاداً ﴾ قيل : بيان للتشبيه ، والواضح أن التشبيه فى الأمر بالمنكر وما بعده ، وعلى الأول فالمراد التشبيه فى جمع الدنيا ، والإعراض عن الآخرة ، فكان هذا بيانا له ، وعلى الثانى فالمراد بيان أن من قبلهم كانوا بهذه الصفة مدة ولم تدفع عنهم موتا ، بل ماتوا إلى عذاب مقيم فكذلك أنتم .
﴿ فاسْتَمتَعُوا ﴾ انتفعوا ﴿ بخَلاقِهِم ﴾ نصيبهم من ملاذ الدنيا ، معرضين عن الآخرة ، وهو من الخلق بمعنى التقدير ، فهو ما قدر لصاحبه ، وقيل : أصله من قولك فلان خليق بكذا ﴿ فاسْتَمتعتُم بخَلاقِكُم كما اسْتَمتعَ الَّذينَ مِنْ قَبْلكُم بخَلاقِهِم ﴾ أى اتبعتم آثارهم فى الاستماع ، وقد علمتم ما صاروا إليه من العاقبة ، فستصيرون إلى مثل ما صاروا إليه ، وفائدة قوله : ﴿ كما استمتع الذين من قبلكم ﴾ مع غنى قوله : ﴿ فاستمتعوا بخلاقهم ﴾ عنه ربط فعلهم بفعل من مضى قبله بالتشبيه ، ليترتب عليه ما ترتب على فعل هؤلاء الماضين ، هذا ما ظهر لى بفضل الله ، وقيل : فائدة التمهيد لذنب المخاطبين بمشابهة هؤلاء كقولك : أنت مثل فرعون ، كان يقتل بغير حق ، ويعذب بغير جرم ، فأنت تفعل مثل ما فعل ، قيل : فالتكرير للتأكيد وتقبيح فعلهم وفعل من شابههم .
﴿ وخُضْتم كالَّذى خاضُوا ﴾ الذى اسم موصول واقع على الخوض ، والرابط ضمير محذوف يعرب مفعولان مطلقا أى كالخوض الذى خاضوه ، أى خوضا ثابتا كالخوض الذى خاضوه ، أو خوضا مثل الخوض الذى خاضوه ، أو الذى واقع على الفريق ونحوه ، أى كالفريق الذى خاضوا ، روعى لفظ المنعوت فى الذى ، ومعناه فى الصلة ، أو المراد بالذى الجنس لا ما قيل : إن الأصل الذي فحذفت النون على لغة ، ولا كما قال الأخفش : إن الذى موصول مشترك ، ولا كما قيل : إن الذى موصول حرفى هنا ، أى وخضتم كخوضهم .
﴿ أولئكَ حَبِطَت أعْمالُهم فى الدُّنيا والآخِرة ﴾ بطلت ولم يكن لها ثواب ، والإشارة إلى الماضين الموصوفين بالشدة ، فأنتم كذلك تحبط أعمالكم ، أو إليهم وإلى المنافقين والمشركين المعاصرين لسيدنا محمد A ، وقيل : الخطاب فى : استمتعتم وخضتم لمشركى قريش دون المنافقين ، والإشارة لكل مشرك ومنافق ، ومعنى حبطت أعمالهم أن أعمالهم باطلة ليست مما يعتد به ، ويثاب عليه ، لأنها معاص ، أو إنَّ ما عملوه من أعمال حسنة لا تنفعهم فى الدنيا بأن لا تقيهم من قتل وسبى ، ولا فى الآخرة ، وهذا الوجه الثانى ، على أن الإشارة للمشركين انتهى .
إن المنافقين أيضا لا ينتفعون بأعمالهم فى الدنيا لما يصيبهم من المقت والغمص عليهم ﴿ وأولئكَ هُم الخاسِرونَ ﴾ دنيا وأخرى .