85
الجزء ٦ · صفحة ٦٨﴿ ولاَ تُعجْبكَ أمْوالهم وأولادُهم ﴾ كرره مع ما بعده للتأكيد ، فإن النفوس شديدة الحب للمال والولد ، فأعيد ذلك زجرا لهم ، وأيضا مضى لذلك زمان ، فربما غفلوا فأعيد النهى ليتنبهوا أيضا للجديد من الطراوة ، ما ليس القديم أو نزل ذلك فى شأن فرقة غير الفرقة التى نزل فيها ذلك ، أولا ، وكان ذلك بإلغاء التقدم قوله : ﴿ ولا ينفقون إلا وهم كارهون ﴾ وقد مر كلام فيه ، وهذا بالواو ، ولعدم التقدم ما يترتب هو عليه .
﴿ إنَّما يُريدُ الله ﴾ تعليل جملى ﴿ أنْ يُعذِّبهُم بهَا ﴾ وأسقط فى هذا التكرير لفظة لا قبل الأولاد ، ولفظة الحياة قبل الدنيا اختصار من حيث إنه تكرير ، وقيل : أسقط هنا لا تنبيها على أنه سواء الإعجاب بكثرة المال ، والإعجاب بكثرة الولد ، وأكثرية حبهم للولد الدال عليها زيادة لا هنالك وما دونها ، وأسقط اللام تنبيها على أنها هناك بمعنى أن الذكران هنا قبل ، وعلى أنه لا تعليل فى حكم الله ، وأسقط الحياة تنبيها على أنها كل حياة ، حتى إن الأولى الاقتصار على لفظ الدنيا .
﴿ وتَزْهقَ أنفُسُهم وهُم كافِرُون وإذا أنْزلتْ سُورةٌ ﴾ من سور القرآن فيها الأمر بالإيمان والجهاد ، ويجوز أن يراد بعض بعض السورة إطلاقا للكل ، وإرادة البعض ، أو حذفا للمضاف ، أى بعض سورة ، وقيل المراد سورة براءة على إرادة البعض ، أو تقدير مضاف وهو ضعيف ، لأن إذا للاستقبال ، وبعض براءة المأمور فيه بالإيمان والجهاد نزل قبل هذا ، إلا إن كان صاحب هذا القول ممن أجاز خروجها عن الاستقبال ، كما قال بعض : إنها فى قوله تعالى : ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ ﴿ وإذا رأوا تجارة ﴾ للماضى وفى ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ للحال أو اعتبر الحال الماضية السابقة على زمان نزول ذلك البعض ، حتى كأن وقت نزول هذه الآية متقدم على نزول ذلك البعض ، وهكذا فى ﴿ إذا ما أتوك ﴾ ﴿ وإذا رأوا ﴾ ﴿ أنْ آمنُوا بالله وجاهِدُوا مَعَ رسُوله ﴾ أن مصدرة تقدر قبلها باء ، أو فى بناء على جواز دخول الجار على الطلب ، ولا يجوز ذلك عندى ، بل هى مفسرة ، لأن إنزال السورة إيحاءها ، والإيحاء فيه معنى القول دون حروفه .
﴿ اسْتأذنَكَ ﴾ القعود عن الغزو ﴿ أولُو الطَّوْل ﴾ السعة فى المال والرياسة ، كالجد بن قيس ، وعبد الله بن أيوب ، ومعتب بن قريش ﴿ منْهُم ﴾ أى من المنافقين والخطاب فى آمنوا وجاهدوا للمنافقين ، أى أخلص الإيمان ، وقيل للمؤمنين ، وعليه فالمراد دوموا على الإيمان والجهاد ، ويدخل المنافقون بالتبع .
والذى عندى أن الخطاب للناس ، والمراد الدوام ، فالمؤمنون مأمورون بالدوام ، والمنافقون مأمورون بالدوام على ما لم يكونوا عليه ، كما تقول لمن يقرأ سورة الكوثر مثلا : دم على قراءتها ، وقدم الإيمان لأنه الباعث على الجهاد ، ولأنه إنما ينفع للجهاد معه ، وخص أولى الطول بالذكر لأنهم يحتاجون إلى الاستئذان دون الفقراء الذين لا يقدرون على الجهاد ، ولأن الذم ألزم لهم لكونهم قادرين على الجهاد والسفر .