95
الجزء ٦ · صفحة ٧٦﴿ سَيحْلفُونَ باللهِ إذا انقَلبْتُم ﴾ رجعتم ﴿ إلَيهم لتُعرضُوا عَنْهم ﴾ أى لتتركوا عتابهم وتوبيخهم ﴿ فأعْرضُوا عَنْهم ﴾ كما يحبون ، فإن العتاب لا يؤثر فيهم ، وعلل ذلك بقوله : ﴿ إنَّهم رجْسٌ ﴾ أى لأنهم نفس الخبث والنجس ، فلا يطهره شىء ، بخلاف من أصله طاهر ، فإنه اذا فرطت منه زلة أمكن تطهيرها وبقوله :
﴿ ومَأواهُم جَهنَّم ﴾ أى مصيرهم هى ، والتعليلان مغيبان وكأنه قيل : لأنهم نفس الخبث والنجس ، ولأن الله سبحانه قد أوعدهم النار فهى تكفيهم عتابا وتوبيخا فلا تتكلفوهما ، أو هذا من تمام التعليل الأول ، وقيل : معنى ﴿ فأعرضوا عنهم ﴾ فلا تجالسوهم ولا تكلموهم ﴿ جزاء ﴾ مفعول مطلق أو مفعول لأجله معلل لقوله اعرضوا أو للمحذوف أى اوعدتهم بجهنم جزاء ﴿ بمَا كانُوا يكْسبُونَ ﴾ .
وعن بعضهم : إن هذه الآية ﴿ سيحلفون بالله ﴾ الخ أول ما نزل فى المنافقين فى غزوة تبوك ، وذلك أن بعض المنافقين استأذنوه فى التحلف فأذن لهم ، فخرجوا من عنده ، وقال أحدهم : والله ما هو إلا شحمة لأول آكل ، فلما خرج رسول الله A نزل فيهم القرآن ، فانصرف رجل من القوم فقال للمنافقين فى مجلس منهم : والله لقد نزل على محمد فيكم قرآن ، فقالوا له : وما ذلك؟ قال : لا أحفظ إلا أنى سمعت وصفكم بالرجس ، فقال لهم مخشى : والله لوددت أن أجلد مائة جلدة ولا أكون معكم ، فلحق برسول الله A ، فقال : « ما جاء بك » فقال : وجه رسول الله تسفه الريح ، وأنا فى الكن ، فروى أنه ممن تاب ، وقيل : لما قدم من تبوك جلس للناس ، فجاء المتخلفون يعتذرون ويحلفون ، فقبل عنهم ، وبايعهم واستغفر لهم ، ورضى عنهم فنزل قوله تعالى : ﴿ يحْلفُونَ لكُم لترْضَوا عَنْهم . . . ﴾ .