77
الجزء ٦ · صفحة ٥٨﴿ فأعْقَبهُم ﴾ أى الله أو البخل كما قال الحسن وقتادة ، والأولى أولى لذكر لفظ الجلالة بالتصريح ، ولمناسبة الهاء فى يلقونه ، ولأن الإسناد إلى الله فى ذلك حقيقة ﴿ نِفاقاً ﴾ متمكنا ﴿ فى قُلُوبهم ﴾ أى جعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقا وسوء اعتقاد ، أو أورثهم البخل نفاقا ، وفى قلوبهم نعت لنفاقا كما رأيت ، أو متعلق بأعقب ، ثم ظهر لى وجه آخر فى معنى أعقبهم نفاقا وهو أن أعقب بمعنى جازى ، أى جزاهم نفاقا قال فى القاموس : أعقبه جازاه .
﴿ إلَى يَوْم ﴾ متعلق بأعقب لتضمنه معنى أثبت ، أو بمحذوف نعت لنفاقا ﴿ يَلْقونَهُ ﴾ أى الله صفة يوم ، والراجح محذوف ، أى فيه وهو يوم موتهم فيلقونه منافقين ، وقيل : يوم القيامة ، ومعنى لقاءهم الله فى يوم القيامة بالنفاق ، أنهم يلقونه غير تائبين ، لأنهم ماتوا عليه فلا توبة ، ويجوز عود هاء يلقونه إلى اليوم ، فتكون هى الراجع ، فالمعنى لقاء العمل ليوم أى جزاء العمل فى اليوم وهو يوم القيامة .
﴿ بما اخْلفُوا ﴾ أى بسبب إخلافهم ﴿ الله مَا وَعدُوه ﴾ ومن التصدق والكون من الصالحين ﴿ وبمَا كانُوا ﴾ أى وبسبب كونهم ﴿ يكْذِبُون ﴾ فى القول الذى قالوه ، وهو ما ذكر من الوعد ، أو فى القول مطلقا ، وخلف الوعد مستقبح من حيث هو خروج عما التزم ، ومن حيث تضمنه الكذب ، وقرأ أبو رجاء يكذبون بالتشديد ، أى يكذبون أمر الآخرة والشريعة ، وهم مشركون فى الباطن على ما قالوا ، أو نزل مخالفة أفعالهم لأقوالهم تكذيبا ، وقراءة التخفيف وفتح الياء أولى لكثرة وصف المنافق بالكذب ، ولأنه أنسب بكونه منافقاً ، وقد ورد فى أحاديث أن للمنافق علامات : الكذب إذا تحدث ، والخلف إذا وعد ، والخيانة إذا ائتمن ، والفجور إذا خاصم ، وكل من فعل مثل ذلك من الموحدين فهو منافق أى مخالف لما يقول .
ويعتقد من الجمل الثلاث ونحوهن ، وكافر للنعم ، وشبيه للمنافق الذين أثبتهم المخالفون ، وبعضنا وهم من أسروا الشرك ، وزعم بعض أنهم المراد فى تلك الأحاديث ، وأنهم فى عصره A لا غير ، وزعم بعض أن المراد فيهن منافق واحد معين فى عصره ، وبعض : أن المراد التحذير عن هذه الخصال وان تأملهن من الموحدين ليس منافقا ، وهذا كله خروج عن الظاهر ، وأجاز بعضهم أن يكون المراد أن ترك قبول الزكاة هو العقاب .
كتب عامل إلى عمر بن عبد العزيز ، إن فلانا يمنع الزكاة ، فكتب إليه أن دعه ، واجعل عقابه أن لا يؤدى الزكاة مع المسلمين ، أى لما يلحقه من المقت فى ذلك وما يفوته من الخير .