90
الجزء ٦ · صفحة ٧٢﴿ وجَاءَ المعَذرونَ ﴾ هو اسم فاعل عذّر بتشديد الذال ، يقال : عذر بالتشديد فى الأمر إذا إذا قصر فيه ، موهما أن له عذرا ولا عذر له ، وهم منافقون لم يسروا الشرك ، بدليل أنه قابلهم بقوله : ﴿ وقَعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ وهم المنافقون الذين أسروا الشرك ، فنفاق المعذرين بالكسل والكذب فى ادعاء العذر ، مع أنه لا لهم عذر ، أو اسم فاعل اعتذر ، فأصله المتعذرون أبدلت التاء ذالا وسكنت بنقل فتحتها للعين وأدغمت .
ويجوز فى سائر الكلام فى مثل هذا كسر الفاء ، بأن يقال : وقع التسكين بلا نقل ، فالتقى ساكنان وكسر الأول وهو الفاء وضمهما تبعا للميم ، كما فى اسم فاعل يهدى ويخصم بفتح الياء وتشديد ما قبل الآخر ، والمعنى جاء الذين اعتذروا ، وكونهم غير صادقين فى العذر مستفاد من خارج لا من الصبغة ، كما زعم بعض ، وقيل هم منافقون أسروا الشرك ، وإنما قابلهم بقوله : ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ لأن هؤلاء القاعدين أظهروا شركهم بقعودهم بدون اعتذار ، بخلاف المعذرين ، أو كل منافقون ، وخصهم لأنهم لم يعتذروا ، وقيل : المعذرون مؤمنون عذرهم صحيح ، فاعتذارهم الحق .
ويجوز على هذا وجه آخر ، وهو أن يكون من اعتذر بمعنى بالغ فى طلب اجتهاده ، فهم بالغوا فى طلب الغزو معك ولم يقدروا ، وبكونهم مؤمنين ، قال ابن عباس ، ومجاهد ، وغيرهم ، وعليه قراءة الضحاك ، والأعرج ، وأبى صالح بإسكان العين ، ونسبت ليعفوا من قولك : أعذر إذا جاء بعذر مقبول واجتهد فيه ، كقوله A : « لقد أعذر من أنذر » أى لا لوم على من أعذر ، أى جاء بعذر بين وهو الإنذار ، وقرأ مسلمة بتشديد العين والذال ، على أن الأصل المتعذرون ، أبدلت التاء عينا ، وأدغمت فى العين ، وهو لحن مردود عليه ليعد مخرج التاء من العين ، فلا تبدل وتدغم ، وقرأ سعيد بن جبير : المتعذرون بتاء قبل العين وهو صحيح .
﴿ مِنَ الأعْرابِ ﴾ عرب البادية ﴿ ليؤذَنَ لَهم ﴾ فى القعود فأذن لهم ، وهم اثنان وثمانون رجلا من أسد وغطفان ، يعتلون بقلة المال ، وكثرة العيال ، وقال مجاهد ، وابن إسحاق : من غفار منهم خفاف بن إيماء بن رخصة ، وهذا يقتضى أنهم مؤمنون ، ونص مجاهد أن الله لم يعذرهم ، وقال الضحاك : « من رهط عامر بن الطفيل ، قالوا : إن غزونا معك أغارت أعراب طيىء على أهلينا أو مواشينا ، وقال رسول الله A : » سيغنينى الله عنكم « » .
﴿ وقَعَد الَّذين كَذبُوا اللهَ ورسُولَه ﴾ أى لم يأتوها بصدق ما فى ألسنتهم من أنهم غير مشركين ، أو من أنهم آمنوا أو أخلصوا ، وليسوا بمخلصين إذ قعدوا بلا عذر ولا استئذان ، جرأة على الله ورسوله ، وعن أبى عمرو بن العلاء : أنهم هم المعذرون ، وعليه فقعدوهم بعد اعتذار ، ويكون الذين حينئذ موضوعا موضع الضمير يشفع عليهم بما تضمنته الصلة من الكذب فى الاعتذار ، كذا ظهر لى فى توجيه قوله ، وقرأ أبىّ والحسن فى الرواية المشهورة عنه بتشديد الذال ، وهو أنسب بالإشراك .