75
الجزء ٦ · صفحة ٥٥﴿ ومنْهُم من عَاهَد اللهَ ﴾ أعطى له عهدا وهو بمنزلة حلف لله فقوله : ﴿ لنصدقن ﴾ جوابه وجواب إن محذوف ، وهذه اللام للتأكيد والأولى تمهيد للجواب ، أو يقدر قسم مفسرا لهذا العهد واللام الأولى مؤذنة .
﴿ لئن آتانا مِنْ فَضْله لنصَّدقَنَّ ﴾ نخرج الصدقة الواجبة والنافلة ، ونصل الرحم ، ونعمل في بالبر ، وقيل : أراد الصدقة الواجبة فقط ﴿ ولنَكوننَّ ﴾ وقرىء بإسكان النونين فى الموضعين ، وقرأ الأعمش بإسكانها فى الثانى فقط ﴿ مِنَ الصَّالحِينَ ﴾ فى سائر الأعمال ، وقيل : فى حق المال فرضا ونفلا ، وعن ابن عباس أراد بالصلاح الحج ، ولعله أراد التمثيل لسائر أعمال الطاعة ، قالت فرقة : كان ذلك العهد شيئا نووه فى قلوبهم ، لم يتكلموا به أو المشهور خلافه .
عن ابن عباس : نزلت فى ثعلبة بن حاطب الأنصارى ، أتى مجلسا للأنصار فقال : لئن أتانا من فضله أخرجت الحقوق ، وتصدقت ، ووصلت ، فورث ابن عمه ولم يف بما وعد ، وقال الحسن ، ومجاهد : فيه وفى معتب بن قشير ، وهما من بنى عمرو بن عوف ، نذرا لئن رزقنا لنصدق فرزقها وبخلا ، وقيل : فى حاطب بن أبى بلتعة أبطأ ماله بالشام ، فحلف لئن تفضل الله به إليه ليصدقن ، ولما آتاه بخل .
« والمشهور أنها فى ثعلبة ، وأنه أتى رسول الله A فقال له ادع الله أن يوتينى مالا ، فقال A : » يا ثعلبة قليلا تؤدى شكره خيره من كثير لا تطيقه « ثم أتاه بعد ذلك فعاوده ذلك فقال A : » ويحك أما لك فى رسول الله أسوة حسنة ، والذى نفسى بيده لو أردت أن تسير معى الجبال ذهبا وفضة لسارت « ثم أتاه فعاود وحلف بالذى بعثه بالحق : لئن رزقنى لأعطين كل ذى حق حقه ، فقال : » اللهم ارزق ثعلبة مالا « فنمت كما ينمى الدود ، فضاقت المدينة بها ، فنزل واديا من أوديتها ، وكان ما بصلى مع رسول الله إلا الظهر والعصر ، ثم ضاق الوادى فتباعد حتى لا يشهد إلا الجمعة ، ثم تباعد لفرط نموّها حتى لا يشهدها ، وكان يخرج يوم الجمعة يتلقى الأخبار .
وذكره يوما A قال : » ما فعل ثعلبة؟ « فقيل له : إن له غنما لا يسعها واد ، فقال A : » يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة « فنزلت آية الصدقة ، فبعث رجلا من سليم ورجلان من جهينة ، وكتب لهما أسنان الصدقة ، وكيف يأخذان ، وأمرهما أن يمرا على ثعلبة ورجل من بنى سليم ، فيأخذا صدقاتهما ، فسألا ثعلبة الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله A فقال : انطلقا حتى تفرغا ، ثم عودا إلىَّ وسمع بهم السليمى فاستقبلهما بخيار إبله ، فقالا : أما هذا عليك فقال : طابت بذلك نفسى ، ولما فرغا عادا إلى ثعلبة فقال : أرونى كتابكما فقرأه فقال : ما هذه إلا جزية ، ما هذه إلا أخت الجزية ، ارجعا حتى أرى رأيى ، ولما رآهما A قال قبل أن يتكلما : » يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة « ثم دعا للسليمى بخير ، فأخبراه بما قال ثعلبة فنزلت الآبة فيه ، وعند رسول الله A قريب له ، فخرج إليه وقال له : لقد أنزل الله فيك كذا وكذا ، فخرج ثعلبة بصدقته إلى رسول الله A فقال له : » منعنى الله أن أقبلها منك « فجعل يحثو التراب على رأسه ، فقال له : » هذا عملك قد أمرتك فلم تطعنى « فرجع فجاء فى خلافة أبى بكر فلم يقبلها ، ثم فى خلافة عمر فلم يقبلها ، ثم فى خلافة عثمان فلم يقبلها ، وفيها مات لم يقبلها الله مجازة على خلف الوعد ، وإهانة على قوله : ما هذه إلا جزية ، ما هذه إلا أخت الجزية » .