42
الجزء ٦ · صفحة ٢٠٩﴿ وقالَ للَّذى ظَنَّ أنه ناجٍ مِنْها ﴾ أى علم أنه ناج بدليل قوله : ﴿ قضى الأمر ﴾ فإن المعنى قضى الله ، وهو مقضى ما مر من أن الله جل وعلا أتحفه بتأويل الرؤيا ، وإلقاء جبريل لؤلؤة صفراء فى فيه ، وإن كان الأمر فى ذلك موكولا إلى اجتهاد ، فكان على شك فى التعبير ، ولو كان لا بد من صدق تعبيره فالظن رجحان ، فمعنى ﴿ قُضى الأمر ﴾ فرغت من التعبير والحكم ، وعلى هذا الوجه قتادة ، والضمير فى ظن ليوسف كالذى فى قال ، ويجوز كونه لصاحب الشراب ، وعليه فيحتمل أنه رجحان ، ويحتمل أنه جزم بصدق يوسف ، والاحتمالان فى جانب صاحب الشراب ، ولو كان تعبير يوسف بوحى لا باجتهاد إن لم يؤمر إلا بعد ذلك ، أو قد آمن وضعف إيمانه ، أو لم يعلم أنه بالوحى ، وذلك الناجى هو صاحب الشراب المذكور .
﴿ اذْكُرنى ﴾ اذكر حالى ﴿ عِنْد ربِّك ﴾ سيدك وهو الملك الأبكر يخلصنى من السجن ، وقل له : إن فى السجن غلاما محبسوسا ظلما ، وفى رواية بعد ذلك طال سجنه ، وفى رواية : قل له : إن فى حبسك غلاما عبرانيا منذ خمس سنين ظلما ، ونسبة إلى ما هو منه برئ ، ويجوز أن يكون المراد اذكر منزتلى فى الحسب والنسب ، والعلم والمكانة ، أو اذكر هذا وكونى مظلوما إذ سجنت بما أنا برئ منه ، فقال صاحب الشراب : إن شاء الله .
﴿ فأنْساهُ الشَّيطانُ ﴾ وسوس له بما يشغله حتى يقع فى النسيان ، وأما الإنساء ابتداء فلا يقدر عليه إلا الله ﴿ ذِكْر ربِّه ﴾ أنسى الشيطان ذلك الساقى ذكر يوسف عند ربه ، أى سيده ، وأضاف الذكر لربه ، لأن ذكر يوسف إنما يقع من الساقى عند الملك ، والأإضافة تصح لأدنى ملابسة ، ويجوز أن يقدر مضاف ، أى ذكر إخبار ربه بكسر الهمزة ، ويجوز أن تعود الهاءان إلى يوسف ، فيكون الرب هو الله جل وعلا ، أى أنسى الشيطان يوسف أن يذكر الله حين وكَّل أمره إلا غيره ، وعليه الأكثر ، وفى الحديث عن رسول الله A : « لا يقل أحدكم عبدى وأمتى وليقل فتاى وتفاتى ، ولا يقل المملوك لسيده وسيدته ربى وربتى وليقل سيدى وسيدتى كلهم عبد والله هو الرب » .
﴿ فَلَبثَ فى السِّجنِ ﴾ الفاء سببية ، والسبب إنساء الشيطان ، والمعطوف عليه قوله : ﴿ أنساه الشيطان ﴾ أو السبب هو قوله : ﴿ للذى ظن أنه ناج منهما اذكرنى ﴾ وعليه فاعلطف على قوله : ﴿ قال ﴾ ويدل لهذا A : « رحم الله أخى يوسف لو لم يقل اذكرنى عند ربك ما لبث فى السجن ما لبث » وعن ابن عباس : عند يوسف ثلاث عثرات : هم بها فسجن ، وقال اذكرنى عند ربك فلبث فى السجن بضع سنين ، وقال لإخوته إنكم لسارقون ، قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل .