32
الجزء ٦ · صفحة ١٩٥﴿ قالت ﴾ زليخا لهؤلا القائلات : ﴿ امرأة العزيز تراود ﴾ إلى آخره ﴿ فَذَلكنَّ ﴾ الفاء عاطفة لكلامها على كلامهن الذى هو ﴿ حاش لله ﴾ إلى آخره ، أو رابطة لجواب شرط المحذوف ، والإشارة إلى يوسف ، وأشارت إليه بإشارة البعيد لأنها قالت بعد ذهابه عنهن وغيبته ، أو قالت ذلك وهو حاضر تنزيلا لعلو شأنه فىلحسن منزلة بعد المسافة الحسية ، أو أشارت إليه باعتباره فى قولهن : تراود فتاها ، وعلى الأولين اسم الإشارة مبتدأ والخبر هو لفظ الذى قوله :
﴿ الَّذِى لمتنَّنِى فيه ﴾ وعلى الأخير اسم الإشارة خبر المحذوف ، والذى نعت أو بيان أو يدل ، أى هو ذلك العبد الكنعانى الذى لمتنى فيه حين لم تشاهدنه ، والكاف حرف خطاب ، والنون المدغمة بدل من ميم مطلق الجماعة ، والمفتوحة علامة على أن الجماعة إناث ، وقيل : النونان علامة على ذلك ، وضمت الكاف لوقوعها قبل النون القريبة من الواو وقيل : النون المبدلة من الميم التى هى أقرب إلى الواو ، وكذا التاء هى ضمير فى المعنى ، وأصلهما الكسر ، وليس اللوم مختصا بعتاب الحضور ، ولذلك سمت قولهن فى غيبتها يوما .
﴿ ولَقَد رَاودْته عَن نفْسه فاسْتَعصم ﴾ أى طاب العصمة بنفاره ، أو من ربه ، أو عالجها بجهده ، فالسين والتاء للطلب أو للتأكيد ، قال الصفاقصى : تفسير استعصم باعتصم ، أى امتنع ، أو المراد لا يلزم من طلب الشئ حصوله ، قلت : لا إشكال لظهور أن المراد طلب العصمة فنالها ، أقرت لهن بالمراودة لزوال الحياء عنها بفعلهن حين رأينه أكبر ما فعلت فى رؤية واحدة ، فهن يعذرنها ، وليعاونَّها على إلانة عريكته .
﴿ لَئنْ لَم يفْعَل مَا آمرُهُ ﴾ هذه الهاء رابطة للصلة بالموصول على نزع الخافض ، أى ما آمر به إياه ، فإياه به ، فهى مفعول به بواسطة الجار ، والمفعول الصريح محذوف ، أى ما آمره إيا عائد ليوسف ، واو ذكر الجار الأوصل ضمير يوسف وقدمه ، أى ما آمره به ، وذلك أولى من أن تجعل الهاء المذكورة لييوسف ، والرابط محذوف أى ما آمره به ، ويجوز كون ما مصدرية ، فالهاء ليوسف ، فيقدر مضاف ، أى موجب أمرى إياه بفتح الجيم أو مقتضى أمرى إياه .
﴿ يُسجننَّ وليكُوناً ﴾ بكتابة نون التوكيد الحقيقية ألفا ، لأنها تقلب الألف فى الوقف ، كما يكتب التنوين بعد النصب ألفا ، لأنه يبدل ألأفاً فى الوقف نحو : أكرم الله زيدا ، وقرأ ليكونن بنون التوكيد الشديدة ، وهو مخالف للخط ، لأن الشديدة لا تبدل فى الوقف ألفا فلا تكتب ألفا .
﴿ مِنَ الصَّاغِريَ ﴾ من الأذلاء المهانين ، وهو من صغر بكسر العين صغر بفتحها ، توعدته بذلك وهو يسمع فى الحضرة ومن زاوية البيت ، وقيل : المعنى أجعله فقيرا حقيرا بنزع ما عليه من الثياب ، وسلبت ما وهب له من الأموان .
ورى أنه لما راودته فامتنع ، قالت : يا يوسف فضحتنى لأسلمنك المعذِّبين يعذبونك حتى يتسلل جسمك ، كما سللت جمسى ، فقال لها : إن كنت احتقرتنى لغربتى بالله حسبى ونعم الوكيل ، ولما دعتهن للضيافة فرأينه وقطعن أيديهن ، وعذرنها فلن لها : إن شئت راودناه لك ، فقالت : نعم ، فجعلت كل واحدة منهن تدعوه لتراود لزليخا بحسب الظاهر ، فإذا حضر جعلت تدعوه لنفسها وتشتكى إليه بوجدها شوقها إليه ، فقال : يا رب كانت واحدة وصرن جماعة ، فلدعائهن إياه إلى أنفسهن قال : ما ذكر الله سبحانه وتعالى عنه بقوله :