40
الجزء ٦ · صفحة ٢٠٧﴿ ما تَعبُدونَ مِنْ دُونه إلا أسماءً سميتمُوها أنتم وآباؤكم ﴾
خالية عن معنى الربوبية والألوهية ، وذلك أنهم يعبدون الأوثان ويسمونها آلهة وأربابا ، وما تحصلوا فى ذلك إلا على أسماء ليست تحتها ذوات تستحقها ، وإن قلنا : المراد بالأسماء المسميات ، احتاج الكلام إلى تقدير مفعول ، أى سميتموها آلهة أو أربابا ، والمختار الأول ، والمراد بالآباء الوالدون والأجداد .
﴿ ما أنْزَل الله بهِا ﴾ أى بعبادتها أو بثبوتها أربابا وآلهة ، أو بتسميتها كذلك ﴿ مِنْ ﴾ صلة للتأكيد فى المفعول به ﴿ سُلطانٍ ﴾ أى حجة وبرهان ، قيل : كانوا يدعون أن الله أمرهم بتسمية الأوثان آلهة وأربابا ، فرد عليهم يوسف بأن الله سبحانه وتعالى ما أمر بذلك ، بل عبدتم وسميتم تشبهاً وتقليدا ، ولا حجة عقل ولا تقل فى ذلك ، ابتدأ الخطاب أولا لصاحبيه الخباز والساقى ، فكان الضمير ضمير اثنين ، ثم جميع من كان فى السج ، فكان لاضمير ضمير جمع ، أو خاطب بضمير الجماعة من فى السجن وأهل مصرى تغلبا للحاضر على الغائب .
﴿ إنِ ﴾ ما ﴿ الحُكْم ﴾ القضاء فى أمر العبادة والديانة ، والأمر والنهى ﴿ إلاَّ الله ﴾ لا يشاركه الأوثان ولا غيرها فيه ﴿ أمْر ألا تعْبُدوا إلا إيَّاه ﴾ أمركم على لسان رسله أن لا تعبدوا إلا إياه ، لأنه المستحق للعبادة ، لأنه الواجب الوجود لذاته ، الموجد لما سواه ، والملك له ، الدال عليه بالحجج .
﴿ ذلكَ ﴾ المذكور من التوحيد ، وأختصاص الله بالعبادة ﴿ الدِّينُ القيِّم ﴾ المستقيم بالبراهين والقعل ﴿ ولكنَّ أكْثَر النَّاس ﴾ وذلك ألكثر هم الكفار ﴿ لا يعْلَمونَ ﴾ ذلك ، ولا الجزاء على خلافه ، فهم يتخبطون فى جهلهم .
وروى أن الساقى والخباز قالا : بأى شئ توصلت إلى معرفة الغيب؟ ومن علمك؟ فقال : ﴿ إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ﴾ فقالا : وما دينك؟ وما تعبد؟ قال : ﴿ واتبعت ملة آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﴾ قالا : أولا عبدت إلهنا؟ قال : ﴿ ما كان لنا أن نشرك ﴾ الخفآمن الساقى دون الخباز ، وآمن كل من فى السجن وهم ألف وأربعمائة ردجلن فقال : أيما أحب إليكم المكث معى أو الخروج؟ فقال الألف : نريد الخروج ، فقال لهم : اخرجوا ، فقالوا له : كيف نخرج والقيود على أرجلنا ، والأغلال فى أعناقنا ، والسلاسل فى أيدينا وأرجلنا ، وإذا خرجنا على هذه الصفة يرانا حرس الملك فيعرفونا ، فقال : أنا أدعو الله أن يغير صوركم حتى لا يعرفكم إلا أهليكم ، ثم أشار إلى القيود والأغلال فتساقطت وتقطعت ، وخرجوا فلم يعرفهم أحد حتى دخلوا بيوتهم ، وأخبروا أهليهم بما فعل يوسف ، واختار الباقون البقاء معه فى السجن ، وكان الرجل إذا فارق السجن يعود إليه يتمنى أن لا يكون قد فارقه ، وبعد ما تلطف لهما بما يجلبهما للإسلام رجع لتعبير رؤياهما .