هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

33

الجزء ٦ · صفحة ١٩٦

﴿ قالَ ربِّ السِّجْن أحبُّ إلىَّ ﴾ أى يا ربى السجن الذى توعدننى به أحب إليَّ ﴿ ممَّا يدْعُونَنى إليْه ﴾ الواو لام الكلمة ، وهى حرف والنون الأولى فاعل ، والفعل مبنى على لاسكون لاتصاله بنون الإناث ، وجد السجن محبوبا فى قلبه أكثر مما تميل إليه نفوس البشر من الزنى ، وهو الذى دعون يوسف إليه ، وذلك لأن فى السجن السلامة من غضب الله ، والفوز من النار إلى احور العين وغيرهن من نعيم الجنة .

وقيل : إنما قال : ﴿ يدعوننى ﴾ والداعية واحدة وهى زليخا لأنهن قلن له أطع مولاتك ، والأمر بالطاعة فى شئ دعاء إلى الشئ ، وقيل : قال : يدعوننى خروجها من التعريض إلى التصريح .

قال بعضهم : لو لم يقل السجن أحب إلىَّ لم يبتل بالسجن ، والبلاء موكل بالمنطق ، والأليق بالعبد سؤال العافية ، سمع رسول الله A رجلا يسأل الله الصبر ، فقال له : « سألت الله الباء فاسأله العافية » كذا قوال ، والظاهر عندى ما قال يوسف ليس مخالفا للحديث ، لأنها ألزمته السجن إن لم يطاوعها ، فاشتكى إلى الله بأن قال : كان لا بد من أحد الأمرين فالسجن أحبّ إلىّ ، أى المكث فى السجن أحب ، وقرئ السجن بفتح السين على المصدرية ، أو حبسها إياى أحب .

﴿ وإلاَّ تَصْرف عنِّى كَيْدهنَّ ﴾ أى احتيالهن فى تحبب الزنى إلىَّ إيقاعى فيه ، وأدغم نون إن الشرطية بعد إبدالها لاما فى لام لا النافية ﴿ أصْبُ ﴾ مضارع مجزوز على الجواب ، وعلامة جزمه حذف الواو والمعنى أمِلْ ﴿ إليهنَّ ﴾ أى إلى أنفسهن بالطبع ، ومقتضى الشهوة ، أو غلى إجابتهن ، والصبوة الميل إلى الهوى ، ومنه الصبا بمعنى الريح المخصوصة ، لأن النفس تستطيبها وتميل إليها لطيب نسيمها ، وقرئ أصبُّ بفتح الصاد وتشديد الباء مضومة من البابة وهى الشوق ، أو قته أو رقة الهوى ، أو إفراط الشوق أقوال ، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره المانع من ظهوره التخلص من التقاء الساكنين ، ولم يتخلص بالكسر مع أنه الأصل فى التخلص منه ، ولا بالفتح مع أنه أخف ، لأن الضمة هى حركة الأصل قبل الجازم .

﴿ وأكُنْ مِنَ الجاهِلينَ ﴾ المذنبيي ، فإن الجهل كما يكون بمعنى عدم العلم يكون بمعنى الذنب ، وبمعنى فعل ما لا ينبغى ، ولك ان تقول : هو أبدا بمعنى عدم العلم ، فكل من أذنب أو فعل ما لا ينبغى فللجهل بحقيقة حق المجهول عليه ، ولو عرف ظاهره حيث لم ترسخ معرفته بها ، ويجوز أن يكون المعنى : أكن من الذين لا يعلمون بما يعلمون ، فإنهم والجهال سواء ، حيث لم تكن منفعة فى علمهم بالاقتداء به .

٢٬٦٩٦ / ٧٬٦٨٠