هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

76

الجزء ٦ · صفحة ٢٧٣

﴿ كذّلكَ ﴾ أى مثل ذلك الكيد العظيم ﴿ كِدْنا ليُوسُف ﴾ علمناه إباه وأوحينا إليه به ، فمن هذا يعلم أنه عليه السلام غير آثم فى أقوالهم وأفعاله المذكورة مع إخوته ، لأنها بإباحة الله كما مرت الإشارة إليه وأن معنى كيد اللهه له تدبيره وتعليمه ليوسف كيف يتوصل إلى إبقاء أخيه عنده ، فذلك بمشيئة من الله ، فأوقع الكيد بمعنى تعليم الكيد ، وهو يقع بمعنى التدبير بحق كما هنا وبباطل ، وأو معنى كدنا يوسف مهلنا له الأمر فى لطف وستر كما يكيد المخلوق بمكر وخديعة ، ويجوز أن يكون المعنى كما ألهمنا إخوة يوسف الحكم بأن جزاء السارق استعباده ، ولم يحكموا بغيره ، كذلك ألهمنا يوسف أن يدس الصاع فى رحل أخيه ، أو كما كادوا على يوسف حتى ألقوه فى الجب وباعوه ، كذلك كدنا له عليهم حتى رفعنا منزلته عليهم ، وكان ما كان ، وصدقنا رؤياه التيى أخذوها .

﴿ ما كانَ ليأخذّ أخاه ﴾ بنيامين عبدا ﴿ فى دِينِ الملك ﴾ أى حكم ملك مصر ، أو فيما اتخذه دينا وهوان يضرب السارق ويغرم ما أخذ ومثليه ، وقيل : ما أخذ ومثله ، قال مجاهد : وكان الملك مسلما ، وفى ذلك بيان للكيد أى من أين يتوصل إلى أخذ أخيه ، وليس دين الملك استعباد السارق لولا أن الله جل جلاله أوصله إليه بلطفه كما قال :

﴿ إلا أنْ يشاءَ اللّهُ ﴾ أى ما كان ليأخذه إلا بمشيئة الله ، فالاستثناء مفرغ ، والباء مقدرة قبل حرف المصدر ، ويجوز كون منقطعا ، أى لكن مسيئة الله هى القاضية بالأخذ ، وجعله بعضهم متصلا ، وقدر إلا أن يشاء الله أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك ، الاستثناء على هذا ، والوجه الأول الذى ذكرته يكون من أعم الأحوال .

﴿ نرْفعُ درجاتٍ من نَشاءُ ﴾ فى العلم ، كما رفعنا درجة يوسف فيه على إخوته ، وهم أيضا علماء ، وذلك دليل أن العلم أشرف شئ ، وأن ارتفاع يوسف بالعلم وبما لهم ، واعلم أخى أن العلم الذى مدح فى القرآن والسنة فى حق المخلوق ، هو ما يتولد عنه الخوف والخشية ، واتباع الأوامر ، والانتهاء عن النواهى ، لا مجرد إدراك المسائل وحفظها ، ومن أراد ظهور الحكمة على لسانه والعلم عن امتلاء قلبه بهما ، والتقى من سفل إلى علو ، فلينظر الدنيا بعين الزوال ، ولينزل نفسه منها منزلة المضطر إلى الميتة ، فما بين العبد وذلك إلا حب الدنيا .

وقيل : نرفع درجات من نشاء بالنبوة وهى أيضا نوع من العلم ، بل أِرف أنواعه ، وقرأ الكوفيون : درجات بالتنوين ، فيكون مَنْ مفعولا لنرفع ، ودرجات ظرف ، أو منصوب على نزع الباء أو فى لو مفعول مطلق من نيابة اسم العين عن المصدر ، أى نفرع من نشاء رفعا ، وأما على الإضافة إلى من فدرجات مفعول به ، وقرئ برفع بالياء وتنوين درجات .

٢٬٧٧٣ / ٧٬٦٨٠