100
الجزء ٦ · صفحة ٣٠٧﴿ ورَفَع أبويْهِ ﴾ بعد اشتمال داره بمصر عليهما ﴿ عَلى العَرشِ ﴾ السرير الذى كان يجلس عليه إكراما لهما ﴿ وخرُّوا ﴾ أى أبواه وإخوته الأحد عشر ﴿ له سُجَّداً ﴾ بوضع الجباه على الأرض أو غيرها تعظيما له ، وكان ذلك تحية جائزة بينهم فى ذلك الزمان ، لا عبادة لمخلوق .
قال ابن عباس رضى الله عنهما : جليس يعقوب عن يمينه ، وخالته عن شماله ، وإخوته بين يديه ، وسجدوا وقالوا فى سجودهم : سبحان من ألف بين يوسف وإخوته ، ولا تعظيم فوق من عظمه الله بسجود أبيه له وهو نبى ، وأى نبى ، وفى سجوده إزاحة لأنففتهم عن السجود له ، وذلك هو الظاهر عندى .
وقيل : ليس ذلك سجودا كسجود الصلاة ، بل انحناه ، وضعَّف بأنه خلاف ظاهر خرورهم سجدا ، وقيل : سجدوا لله إلى جهة يوسف ، تعظيما له إلى الكعبة .
وعن الحسن : الهاء فى له لله ، أى وخروا لله سجدا وهو ضعيف ، وقيل : الهاء ليوسف كما مر ، لكن على معنى انهم خروا لأجل يوسف سجدا لله وشكرا .
وأجمعوا أنه ليس السجود عبادة منهم ليوسف ، وظاهر الآية أن السجود كان بعد رفع أبويه على العرش ، فمهما سجدا له على العرش ، أو نزلا ، وقيل : كان قبله ولكن قدم الرفع اهتماما بذكره .
وروى أن يعقوب قال ليوسف بعد ما أفاق : أخبرنى ما فعل بك إخوتك يا حبيبى؟ قال : يا أبت كان ما كان ، وقص عليه قليلا من القصة فغشى عليه ، ثم أفاق فقال له : يا حبيبى أخبرنى كيف صنعوا بك؟ قال له : يا أبت مضى ما مضى فلا تذكر تلك أيام خلت ، وقد وصل الحبيب إلى الحبيب ، فلله الحمد على ذلك .
﴿ وقالَ يا أبتِ هذا ﴾ أى سجودكم ﴿ تأويلُ رُؤياىَ مِنْ قبلُ ﴾ متعلق برؤياى ، أو حال من رؤياى ، أو متعلق بمحذوف معرف ، أى لرؤياى الواقعة من قبل هذا الزمان فى وقت الصبا ، وهى رؤيته أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين له .
﴿ قَد جَعَلها ربِّى حقا ﴾ صدقا ، وبين رؤياه وتأوليها قال بعضهم : ثمانى عشرة سنة ، وقال سلمان : أربعون سنة ، وأبو صالح ، عن ابن عباس : اثنتان وعشرون ، وابن جبير ، وعكرمة ، والسدى : ست وثلاثون ، وقتادة : خمس وثلاثون ، وابن مسعود سبعون ، والفضيل بن عياض ثمانون ، وكذا قال الحسن ، قال : عمره وقت الجب سبع عشرة ، وأقام العبودية والسجن والملك ثمانين ، ومع أيبه وإخوه وأقاربه ثلاثا وعشرين ، ومات لمائة وعشرين ، وقيل لمائة وعشر .
﴿ وقَدْ أحْسن بى ﴾ أى إلىَّ ، والمعنى أوصل إلى النعم ، أو الباء للإلصاق ﴿ إذْ أخْرجنى من السِّجنِ ﴾ لم يذكر إخراجه من الجب ، مع أن إلقاءه فى الجب أصعب من [ دخوله } السجن ، لئلا يخجلهم بعد ما قال : ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ ولأنه فى مقام تعديد النعم ، ونعمة الله عليه فى الإخراج من السجن أعظم منها فى الإخراج من الجب ، لأنه أخرج من الجب للرق ، وأخرج من السجن للملك ، ذكر الوجهين الثعالبى ، وزاد الخازن وجها لكنه قول هو أن دخوله الجب كان لحسد إخوته ، ودخول السجن لنزول التهمة فكان أعظم نعمة .