77
الجزء ٦ · صفحة ٢٧٦قال ابن الأنبارى : ليس فى هذه الأفعال سرقة ، ولكن تشبه السرقة ، فكانوا يعيرونه بها عند الغضب ، وعن الحسن : أنهم كذبوا وأنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء ، [ ومن ثمَّ كان ] البحث فى مثل هذا .
﴿ فأسرَّها يُوسفُ فى نَفْسه ﴾ أى أسرَّ مقالتهم أو كلمتهم ، وهى قوله : ﴿ قد سرق أخ له من قبل ﴾ كما قال أبو صالح ، عن ابن عباس أو أسرَّ الإجابة أو الحجة عليهم ، أو أسر نسبة السرقة إليه ، ومعنى إسرار الكلمة والمقالة والإجابة ونسبت السرقة [ إليه ] أنه لم يجبهم عليهم بتكذيبهم ، ومعنى إسرار الحجة أنه لم يظهر الاحتجاج عليهم ، وقيل : أسر الحزة التى حدثت فى نفسه من قولهم .
﴿ ولَم يُبدهَا لهم ﴾ ولم يظهرها لهم ، وهذا عطف مرادف للتأكيد ، ويجوز أن يكون معنى إسرارها فى نفسه تكتيفها ، وذكرها فى نفسه كما فعل إذا أهمك أمر ، ومعنى لم يبدها لم يجبهم عليها ، أو لم يظهر الاحتجاج ، وقال الزمخشرى : إن الضمير للجملة أو للكلمة على تسميتهم الطائفة من الكلام كلمة ، وأنه مفسر بقوله :
﴿ قالَ ﴾ أى فى نفسه ﴿ أنتم شرٌّ مكاناً ﴾ أى منزلة فى السرقة من أخيكم بنيامين ، لسرقتكم أخاكم ، أو فى سوء الصنيع ، كأنه قيل : فأسر الجملة أو الكلمة التى هى قوله : ﴿ أنتم شر مكانا ﴾ لأن قوله : ﴿ قال أنتم شر مكانا ﴾ بدل من أسرها ، ورده القاضى بأن المفسر بالجملة لا يكون إلا ضمي الشأن ، قلت : يحتمل أن يريد أن الضمير عائد إلى الكلمة السابقة أو الجملة ، وأنه إنما سوغ ذلك ظهوره بقوله : ﴿ قال أنتم شر مكانا ﴾ وقيل : صرح يوسف بقوله : ﴿ أنتم شر مكانا ﴾ .
﴿ واللّهُ أعلم بما تَصفُون ﴾ أحق أم باطل ، قال ذلك وهو عالم بأنه باطل ، واللفظ مولح ببطلانه ، ويؤيد قول إنه صرح بذلك أنهم يتشفعون بأنفسهم بل بأبيهم ، إذ قالوا : ﴿ إن له أبا شيخا ﴾ الخ ، ويجب فيه بأنهم قد جرى بينه وبينهم أمور موبخة لهم كما تعلم مما مر ، وترد لهم فكيف يستشفعون بأنفسهم ، ولو لم يقل ذلك إلا فى نفسه بل بأبيهم الذى أقر يوسف بفضله وبراءته مما يشين ، وقرأ ابن مسعود : فأسره يوسف فى نفسه ولم يبده لهم بالذكير على إرادات القول أو الكلام أو الاحتجاج أو الجواب .
ولما استخرج الصاع من رحل بنيامين نقره فطن فقال : أتعلمون ما يقول هذا الصواع؟ قالوا : لا . قال : إنه يقول : إنكم خنتم أباكم فى ولده الأول ، وبعتموه وكنتم اثنى عشر ، فارتعدت فرائصهم وقالوا : يا أيها العزيز استر علينا ما ستر الله ، وإنا نسألك بالذى فضلك على العالمين إلا ما رحمتنا ورحمت شيبة أبينا؟ فقال : لولا ذلك لنلت منكم ما تستحقون ، فاذهبوا عنى لا حاجة لى بكم ، وقد رغب إلىَّ أبوكم أن أعجل صرفكم إليه ، قالوا : فلعلك تصرف معنا أخانا فإنك لا تصله بصلة أسنى من صرفه معنا . فقال : إنى أتخذه عبدا مملوكا .