84
الجزء ٦ · صفحة ٢٨٨وإن قلت : كيف بلغ ذلك المبلغ من الحزن وهى نبى؟
قلت : لم يبلغه باختياره ، بل جبلت النفس على أن تحزن عند الشدائد ، وكان مأجورا على عدم خروجه عن الرضا الله وقدره ، إلى تحويره ، أو صياح ، أو نياحة ، أو لطم ، أو تمزيق ثوب ونحو ذلك .
ولقد بكى رسول الله A على ولده إبراهيم فقال : « القلب يوجع والعين تدمع ولا تقول ما يسخط الرب وإنى عليك يا إبراهيم لمحزون » وفى رواية : « القلب يجزع » أى يتألم وفى رواية : « يحزن » وقال : « إن الله لا يعذب بدمع العين ، ولا بحزن القلب ، وإنما يعذب بهذا ويرحم » وإشار إلى لسانه .
وبكى على بعض ولد بناته وهو يجود بنفسه ، فقيل : يا رسول تبكى وقد نهيتنا عن البكاء! فقال : « ما نهيتكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أجمعين صوت عد الفرح وصوت عن الترح » وبكى الحسن على ولد أو غيره فقيل له فى ذلك فقال : ما رأيت الله جعل الحزن على يعقوب عارا .
﴿ فهُو كَظيمٌ ﴾ أى مغموم مكروب ، لا يظهر كربه إلا ما ظهر منه غلبة وطبعا مملوءا هما على يوسف أو عليه وعلى من بقى بمصر ، وكظيم كما رأيت فعيل بمعنى مفعول كقوله : ﴿ وهو مكظوم ﴾ من كظم السقاء إذا شد فمه وقد ملئئ ، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل أى فهو كاظم لغيظه كاتم له ، قال قتادة : الكظيم الذى يرد حزنه فى جوفه ولم يقل غلا خيرا ، وأصله كظم البعير جرته إذا ردها فى جوفه ، والكظم بفتح الطاء مخرج النفس .
وفى الحديث : أن يعقوب كبر وضعف حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، فقيل : كان يرفعهما بخرقة ، فقال بعض جيرانه : لو عشت ونميت لم تبلغ من السن ما بلغ أبوك حتى هرمت ، فقال : من طول الزمان ، وكثرة الأحزان ، فأوحى الله إليه : تشكونى إلى خلقى ، فقال : يا رب خطيئة أخطأتها فاغفر لى ، قال : قد غفرت لك ، فكان بعد ذلك إذا سئل قال : « إنما أشكوا بثى وحزنى إلى الله » .
وفى الحديث ، عن أنس قال أخر فى الله ليعقوب : ما قوَّس ظهرك ، وأذهب بصرك؟ قال : أذهب بصرى البكاء على يوسف ، وقوس ظهرى الحزن على بنيامين ، فأوحى الله إليه أتشكونى . . . إلى آخر ما مر .